فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٠ - ١٧ - فص حكمة وجودية في كلمة داودية«١»
لم يحاسبه. و أرجو من اللَّه في العلم خاصة أنه لا يحاسبه به. فإنَّ أمره لنبيه عليه السلام يطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته: فإن اللَّه يقول «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ». و أي أسوة أعظم من هذا التأسِّي لمن عقل عن اللَّه تعالى. و لو نبَّهنا على [١] سليمان و مكانته و ليس الأمر كما زعموا.
١٧- فص حكمة وجودية في كلمة داودية «١»
اعلم أنه لما كانت النبوة و الرسالة اختصاصاً إلهياً ليس فيها شي ء من الاكتساب:
أعني نبوة التشريع، كما كانت عطاياه تعالى لهم عليهم السلام من هذا القبيل مواهب ليست جزاء «٢»: و لا يُطْلَبُ عليها منهم جزاء. فإعطاؤه إياهم على طريق الإنعام و الإفضال. فقال تعالى وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ^- يعني لإبراهيم الخليل عليه السلام، و قال في أيوب «وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ»، و قال في حق موسى «وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» إلى مثل ذلك. فالذي تولاهم أوَّلًا هو الذي تولاهم في عموم أحوالهم أو أكثرها، و ليس إلا اسمه الوهاب. و قال في حق داود «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» فلم يقرن به جزاء يطلبه منه، و لا أخبر أنه أعطاه هذا الذي ذكره [٢] جزاء.
و لما طلب الشكر على ذلك العمل طلبه من آل داود و لم يتعرض لذكر داود ليشكره [٣] الآل على ما أنعم به على داود. فهو في حق داود عطاء نعمة و إفضال، و في حق آلِهِ على غير ذلك لطلب المعاوضة فقال تعالى «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ». و إن كانت الأنبياء عليهم السلام
[١] ن: عن
[٢] ن: أعطاه
[٣] ا: لشكره