فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٦ - ١٤ - الإنسان و الله
و هكذا اعترف الحلاج لأول مرة في تاريخ الإسلام بتلك الفكرة التي أحدثت فيما بعد انقلاباً بعيد المدى في الفلسفة الصوفية: أعني فكرة تأليه الإنسان و اعتباره نوعاً خاصاً من الخلق لا يدانيه في لاهوتيته نوع آخر.
أخذ ابن عربي هذه الفكرة الحلاجية، و لكنه اعتبر اللاهوت و الناسوت مجرد وجهين لا طبيعتين منفصلتين لحقيقة واحدة، إذا نظرنا إلى صورتها الخارجية سميناها ناسوتاً، و إن نظرنا إلى باطنها و حقيقتها سميناها لاهوتاً.
فصفتا اللاهوت و الناسوت بهذا المعنى صفتان متحققتان، لا في الإنسان وحده، بل في كل موجود من الموجودات، مرادفتان لصفتي الباطن و الظاهر أو لكلمتي الجوهر و العرض. و الحق الذي يتجلى في جميع صور الوجود يتجلى في الإنسان في أعلى صور الوجود و أكملها. و لذا ظهرت فيه هاتان الصفتان ظهوراً لا يدانيه فيه موجود آخر. على هذا الأساس بنى ابن عربي نظريته في الإنسان و منزلته من اللَّه و الخلق.
فالإنسان أكمل مجالي الحق، لأنه «المختصر الشريف» و «الكون الجامع» لجميع حقائق الوجود و مراتبه. هو العالم الأصغر الذي انعكست في مرآة وجوده كل كمالات العالم الأكبر، أو كمالات الحضرة الإلهية الأسمائية و الصفاتية. و لذا استحق دون سائر الخلق أن تكون له الخلافة عن اللَّه. و لما لم تقف الملائكة على حقيقة النشأة الإنسانية و ما أودع اللَّه فيها من أسرار أسمائه- لأنها ليس لها جمعية الإنسان و لا عموم خلقه- أبت السجود لآدم و أنكرت خلافته، و قالت: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ؟»، و لم تعلم أن سفك الدماء و الإفساد في الأرض مظاهر لصفات الجلال الإلهي الذي لا وجود له فيها، و أنها لم تسبح اللَّه و تقدسه تسبيح آدم و لا تقديسه، لأن كل موجود يسبح اللَّه