فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨ - ٩ - العلاقة بين الحق و الخلق
ظل إذا نظرت إليه من حيث عينه و باطنه و جوهره المقوِّم له (الفص اليوسفي) و هو نَفَس الرحمن الذي تفتحت فيه صور الوجود من أعلاه إلى أسفله، إذ أن نفس الرحمن يحتوي صور جميع الموجودات بالقوة كما يحتوي نفس الإنسان بالقوة جميع ما يصدر عنه من حروف و كلمات.
و لكن الخلق (عالم الظاهر) في تغير مستمر و تحول دائم أو قل هو على الدوام في خلق جديد. أما الحق فهو على ما عليه كان منذ الأزل و يتكلم ابن عربي عن خلق العالم، و لكنه لا يقصد به إيجاد العالم من العدم و لا إحداثه في زمان معين، و إنما الخلق عنده هو ذلك التجلي الإلهي الدائم الذي لم يزل و لا يزال، و ظهور الحق في كل آن فيما لا يحصى عدده من الصور. و هذا الظهور مع كثرته و دوامه لا يتكرر أبداً، لأن نسبة الذات الإلهية إلى كل صورة من صور الوجود غير نسبتها إلى الصور الأخرى. و تتفق هذه الفكرة في ظاهرها مع نظرية الأشاعرة القائلين بأن العالم متشابه بالجوهر مختلف بالأعراض، و أن العرض الواحد لا يبقى زمانين، بل تختلف الأعراض على الجوهر الواحد في كل لحظة. و لذا كانت الموجودات في مذهبهم في تغير مستمر مع بقاء جوهرها ثابتاً لا يتغير. و هذا مشابه لما يسميه ابن عربي بالخلق الجديد. و لكنه يخطئ الأشاعرة في أنهم لم يقولوا إن الحق (اللَّه) هو ذلك الجوهر و إن مجموعة الصور و النسب التي يسمونها الأعراض هي الخلق (العالم) بل راحوا يفترضون جواهر فرده في ذلك الجوهر العام، و هذه الجواهر بحسب تعريفهم مجموعة من الأعراض إلا أن لها وجوداً قائماً بنفسه من حيث إنها عين ذلك الجوهر القائم بنفسه، و لكنها من حيث هي أعراض لا تقوم بنفسها، فقد جاء من مجموع ما لا يقوم بنفسه من يقوم بنفسه و هذا خلف (الفص الشعيبي). الحق في نظر ابن عربي هو روح الوجود و هو صورته الظاهرة، و كل قول يشعر بالاثنينية يتنافى مع مذهبه.