فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣ - ١٣ - إله وحدة الوجود و إله الأديان
و يثني على الحق و ما درى أنه يثني على نفسه، لأن إله المعتقد من صنعه- و الثناء على الصنعة ثناء على الصانع. و لو عرف هذا المعتقد حقيقة الأمر، و أن غيره ما عبد إلا الحق في صورة خاصة من صور الاعتقاد، أي لو عرف قول الجنيد و قد سئل عن اللَّه فقال: «لون الماء لون الإناء»- لو عرف كل ذلك ما أنكر على غيره ما يعبده، لأن ذلك الغير يظن- و لا يعلم- أن معبوده هو اللَّه، و اللَّه تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي» أي إنني لا أتجلي لعبدي إلا في صورة معتقده الخاص. و إله المعتقدات يسعه القلب لأنه محصور محدود، أما اللَّه من حيث هو فلا يسعه شي ء، لأنه عين كل شي ء و عين ذاته، و لا يقال في الشي ء إنه يسع ذاته أو لا يسعها.
فعلى الرغم من قوله بوحدة الوجود و تصريحه بأن الحق و الخلق حقيقة واحدة لا تمايز بينهما إلا في وجوب الوجود الذي هو للحق خاصة، يعبد ابن عربي ذلك الحق و يعشقه. و لكن العبادة لها عنده معنى يختلف عما يفهم الناس منها عادة في العرف الديني. فالمعبود عنده هو الجوهر الأزلي القديم المقوم لجميع صور الوجود، و العابد هو الصورة المتقومة بهذا الجوهر. فكل صورة من الصور ناطقة بألوهية الحق، و كل معبود من المعبودات وجه من وجوه. أياما تولوا فثم وجه اللَّه، و أياما تعبدوا فإنكم لا تعبدون سواه. قال تعالى: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ». يقول ابن عربي: حكم و قدر أزلًا أنكم لا تعبدون غير اللَّه مهما تكن صور معبوداتكم.
و أرقى أنواع العبادة و أحقها بهذا الاسم في نظره هو التحقق بالوحدة الذاتية بين العابد و المعبود: أي التحقق ذوقاً بأنك أنت هو و هو أنت: أنت هو من حيث صورتك، و من هنا كان لك الافتقار و الإمكان: بل العدم الذاتي. و هو أنت بالعين