فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤ - ١٣ - إله وحدة الوجود و إله الأديان
و الجوهر، فإنه هو الذي يفيض عليك الوجود من وجوده. فالعبادة الحقة هي ما تحقق فيها الافتقار المطلق من جانب العبد، و الغنى المطلق من جانب الحق.
و اللَّه وحده هو الغنى المفتقر إليه. بل إن الافتقار إلى الأسباب افتقار في الحقيقة إلى اللَّه وحده. يقول ابن عربي في شرح قوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ»: الفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شي ء من حيث إن ذلك الشي ء هو مسمى اللَّه، فإن الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير اللَّه. و قد أخبر اللَّه أن الناس فقراء إلى اللَّه على الإطلاق، و الفقر حاصل منهم، فعلمنا أن الحق قد ظهر في صورة كل ما يُفْتَقَر إليه [١] ثم استمعْ إليه و قد صاح في أعماق قلبه صوت عاطفته الدينية التي لا تقل في حرارتها و قوتها عن عاطفة أي مؤله متدين، و هو يصف الحق معبوده و معشوقه متحيراً في كنهه، مؤتنساً بقربه، مستوحشاً ببعده.
قال على لسان العرش: «أقسم بعليِّ عزته و قوي قدرته لقد خلقني، و في بحار أحديته غرَّقني، و في بيداء أبديته حيرني: تارة يطلع من مطالع أبديته فينعشني، و تارة يدنيني من مواقف قربه فيؤنسني، و تارة يحتجب بحجاب عزته فيوحشني، و تارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني، و تارة يواصلني بكاسات حبه فيسكرني.
و كلما استعذبت من عربدة سكري قال لسان أحديته: «لَنْ تَرانِي»، فذبت من هيبته فرقاً، و تمزقت من محبته قلقاً، و صعقت عند تجلي عظمته كما خر موسى صعقاً. فلما أفقت من سكرة وجدي به، قيل لي أيها العاشق: هذا جمال قد صنَّاه، و حسن قد حجبناه، فلا ينظره إلا حبيب قد اصطفيناه [٢]».
هذا شعور بعيد عن متناول الماديين من أصحاب وحدة الوجود الذين يعتقدون
[١] الفتوحات ج ٢ ص ٢١ س ١٧.
[٢] شجرة الكون ص ٢٧.