مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٣٨ - التقية في مقام الإفتاء و القضاء
و يشهد ذلك بالخصوص صحيحة أبان بن تغلب، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:
إني أقعد في المسجد فيجيء الناس فيسألوني فإن لم اجبهم لم يقبلوا منّي، و أكره أن أجيبهم بقولكم و ما جاء عنكم. فقال عليه السّلام لي: انظر ما علمت أنّه من قولهم، فأخبرهم بذلك».[١]
و خبر معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون. و يجيء الرجل أعرفه بمودّتكم، فاخبره بما جاء عنكم. و يجيء الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا و جاء عن فلان كذا، فادخل قولكم فيما بين ذلك، قال: فقال لي: اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع».[٢]
و قد عقد صاحب وسائل الشيعة عنوان هذا الباب بقوله: «باب وجوب التقية في الفتوى مع الضرورة».[٣]
حيث إنّه لا فرق بين الموردين بعد حصول ملاك جواز التقية في الإفتاء و توفّر شرائطها. فما يظهر من بعض المحقّقين[٤] اتّضح بهذا البيان عدم وجاهته.
و كذلك الكلام بعينه في إنشاء الحكم بخلاف الحقّ، بلا فرق بينه و بين الفتوى.
نعم كثير من المحاذير و المضارّ المترتّبة على ترك التقية- المجوّزة لها في غير الفتوى و الحكم- لا تصلح لتجويز التقية فيهما؛ نظرا إلى شدّة مبغوضية الفتوى و الحكم بخلاف الحقّ في نظر الشارع؛ لما فيه من تحريف الدين و إضلال الناس، كما قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ و وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.[٥]
[١] وسائل الشيعة: ج ١١ ب ٣٠ من أبواب الأمر و النهي، ح ١.
[٢] المصدر: ح ٢.
[٣] وسائل الشيعة: ج ١١ ب ٣٠ من أبواب الأمر و النهي.
[٤] القواعد الفقهية/ للمحقّق البجنوردي: ج ٥، ص ٧٩.
[٥] المائدة: ٤٤ و ٥٠ و ٥٢.