البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٢٨ - الفصل الأول في الولادة

اليتيم؟ وما الذي سما بهمته حتى غاض الإرشاد الأمم وأحيا الملل؟ ما هو إلا الوحي الإلهي، والعناية الربانية والمحنة القدسية ودعوة الحق التي لا يخشى من جاهر بها وصابر عليها، وان ذلك الثبات في المقام الزلزال، والنهوض بأعباء تلك الأثقال، وتلك القوة في ذلك الضعف، وذاك السلطان مع ذلك العجز، لأقوى البراهين على النبوة وصدق الدعوة، وإلَّا فما هذا العلم في تلك الأمية، والعرفان في غمرات الجاهلية إن الحق لأوضح من ذلك.

وليس يصح في الأفهام شي‌ء

إذا احتاج النهار إلى دليلِ‌

ولكن ومن يك ذا فم مرّ مريض‌

يجد مراً به العذب الزلالا

وقد بان من هذا انه قد ظهر من محمد قبل بلوغه الأربعين، ودعواه تكليم الملاك له أمور كثيرة يعلم الناس منها أهليته للنبوة والرسالة مع إن الأمور التي تتقدم دعوى النبوة هي من قبيل الإرهاصات وهي ليست شرطاً في قبول دعوى الرسالة وأولى الناس بالقول بعدم اشتراط المسيحيين الذين لا يرون ظهور المعجزات شرطاً في قبول تلك الدعوى، وفي قاموس الكتاب المقدس (الجزء ٢ طبعة بيروت صفحة ٣٨٨) في ترجمة موسى (ع) قال: (ولا نعلم شيئاً عن تفاصيل حياته في هذه المدة كما لا نعلم شيئاً عن حياة المسيح قبل الثلاثين سنة من عمره، فموسى قبل بلوغه الأربعين والمسيح قبل الثلاثين لم يظهر عليهما أمر من الأمور يعلم الناس منه أهليتهما للنبوة وبعد الأربعين والثلاثين جعلا يقولان للناس أن الملاك قد كلمهما وما هو من قبيل ذلك بل وأعظم، وذكر في يوحنا المعمدان (وهو يحيى بن زكريا) انه نشأ على الوحدة