البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١٤٤

(الأولى‌): في العفو وهو جائز عقلا واقع سمعا لان العفو إحسان وهو حسن عقلا فيجوز صدوره من الباري تعالى الذي هو خير المحسنين ولأن العقاب قد يكون حقا محضا لله تعالى وقد يكون لأحد عباده فجاز إسقاطه إذ لا ضرر عليه تعالى في تركه ولا ظلم على العبد مع تعويضه بما يرضيه ولا يلزم منه إغراء المكلف بالقبيح لأنا لا نقول بقطعيته والخلف قبيح في الوعد دون الوعيد فإذا وعد على ثواب نجزه وإذا أوعد بعقاب فهو فيه بالخيار إن عذب فبعدله وان عفا فبفضله، وقد ورد في الثناء عليه تعالى (يا من إذا وعد وفى وإذا توعد عفا) وفي القران المجيد [ويعفوا عن السيئات‌]، [وان ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم‌] ولفظة (على) في هذه الآية إما للتعليل وهو غير مراد اتفاقا وللحال كما يقال (رأيت الأمير على أنسه) أي في حال الأنس وإذا بطل الأول تعين الثاني ولا يخرج من هذا العموم إلا الكافر لقوله تعالى [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء] وظاهر الآية عدم اشتراط الغفران بالتوبة مع أنْ لو اشترطنا التوبة لانعدم الفرق بين الشرك وغيره من المعاصي وهو ثابت قطعا ولأن العقاب يسقط مع التوبة إجماعا فتنفى الفائدة في العفو ولا يبقى وجه للتمدح به والامتنان بفعله ثم إن ظاهر أصحابنا في المقام إن ما في العفو من الحسن كاف في صدوره وخروجه عن العبثية فلا يلزم وجود الأهلية في المعفو عنه ولا كون المولى في مقام، إظهار سعة الرحمة، وعموم التفضل ونحوهما ولا يتوجه عليهما ما ثبت عند العقلاء وهو ما ذكره أبو الطيب بقوله:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وان أنت أكرمت اللئيم تمردا

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى‌