اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١١٣ - الجهة الاولى في كيفيّة الربط بين اللفظ والمعنى
ب- ما أفاده بعض الأعلام من أنّه لا يعقل تحقّق المناسبة الذاتيّة بين جميع الألفاظ والمعاني، لاستلزام ذلك تحقّقها بين لفظ واحد ومعانٍ متضادّة، كما إذا كان للفظ واحد معانٍ كذلك، كلفظ «الجون» الموضوع للأبيض والأسود، ولفظ «القرء» الموضوع للطهر والحيض، وغيرهما، وهو غير معقول، فإنّ تحقّق المناسبة الذاتيّة بين لفظ واحد ومعانٍ كذلك يستلزم تحقّقها بين نفس هذه المعاني أيضاً كما لايخفى [١].
وأمّا ما قيل من أنّه لو لا المناسبة الذاتيّة بين الألفاظ والمعاني لكان تخصيص الواضع لكلّ معنى لفظاً مخصوصاً ترجيحاً بلا مرجّح، وهو محال، كالترجّح بلا مرجّح- أي وجود حادث من دون سبب وعلّة- فيرد عليه أوّلًا: أنّ المحال هو الثاني دون الأوّل، ألا ترى أنّك لو كنت عطشاناً وكان بين يديك ثلاث كؤوس متساوية من جميع الجهات واخترت إحداها للشرب لكان من قبيل الترجيح من غير مرجّح، فلا يكون محالًا؟
وثانياً: سلّمنا امتناع الترجيح بلا مرجّح أيضاً، لكنّ المرجّح غير منحصر بالمناسبة المزبورة كي يجب الالتزام بها، بل يكفي فيه وجود مرجّح ما، كما أنّك تختار «الزهراء» مثلًا اسماً لابنتك لأنّ هذه الكلمة ارتبطت بابنة النبيّ صلى الله عليه و آله.
فتخصيص الواضع أيضاً كلّ لفظ بإزاء معناه يمكن أن يكون لجهة ما، مثل كون لفظ الماء أوّل ما خطر بباله حينما رأى المايع السيّال الخاصّ [٢].
فما تشبّثوا به لإبطال دخل الوضع في الربط بين اللفظ والمعنى باطل، لعدم استحالة الترجيح من غير مرجّح أوّلًا، وعدم حصر المرجّح في التناسب
[١] محاضرات في اصول الفقه ١: ٣٩.
[٢] هذا إذا اخترنا كون الواضع هو البشر في المبحث الآتي. منه مدّ ظلّه.