اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١٢١ - نقد كلام المحقّق النائيني رحمه الله حول واضع الألفاظ
المخاطب لايفهم كلامه بعدُ، كما تقدّم.
قلت: تفهيمه في المعاني الجزئيّة والأعلام الشخصيّة سهل، لأنّه يتمكّن من الإشارة إلى الموضوع له وإعلام أنّ اللفظ الفلاني وضع له، إنّما الإشكال في المفاهيم الكلّيّة، مثل حقيقة الماء، فإنّ لفظه وضع لمفهوم الماء لا لمصاديقه الخارجيّة، فلو أحضر الواضع كأساً من الماء، وقال: «وضعت لفظ الماء لهذا» لم يصحّ، إذ لم ينتقل ذهن السامع منه إلى المفهوم، لكن يمكن التفهيم في مثله بطريق آخر، وهو أن يشير إلى ماء كأس ويقول: هذا ماء، ثمّ فعل كذلك بماء آخر، ثمّ بماء ثالث، وهكذا، فإنّ تكرار هذا العمل بالنسبة إلى مياه متعدّدة يكشف من أنّ لفظ الماء موضوع لمفهومه العامّ، وكلّ من المياه الخارجيّة مصداق له.
والحاصل: أنّ وضع الألفاظ للمعاني بيد البشر، لكنّ البشر الأوّلي لم يفتقر في تفهيم مقاصده إلّاإلى وضع ألفاظ معدودة قليلة واستعمالها، ثمّ ازداد الحاجة، فوضع سائر الناس ألفاظاً اخرى لمعانٍ مستحدثة، وهكذا.
وأمّا تعدّد اللغات وتكثّرها فمنشأه التعصّبات القوميّة التي تحرّك القبائل إلى وضع لغة جديدة وعدم تكلّمهم بلغة سائر القبائل.
فوضع الألفاظ وتوسعة اللغات وتكثّرها كلّها بيد البشر، لكن لم تتحقّق بيد بشر واحد، بل اشترك فيها أفراد متعدّدة من الناس في طول الزمان، فكلّما وجدوا معنىً جديداً وضعوا له لفظاً خاصّاً، فاتّسعت اللغات يوماً فيوماً.