اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١٢٠ - نقد كلام المحقّق النائيني رحمه الله حول واضع الألفاظ
أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ» [١]؟
قلت: كون شيء آية له تعالى لا يستلزم أن يكون نافعاً للإنسان أو مربوطاً به تعالى مستقيماً، ألا ترى أنّ العصيان آية له سبحانه، حيث إنّ منشأ قدرة العاصي هو قدرة اللَّه الذي خلقه وأقدره على ارتكاب الطاعات والمعاصي، مع أنّ العصيان لا ينفع الإنسان بل يضرّه ولا يرتبط به تعالى مستقيماً.
فاختلاف الألسنة وتكثّر اللغات مع كونه مغايراً لغرض الوضع يكون من آيات اللَّه، لأنّه سبحانه أقدر الإنسان على جعل اللغات وتكثيرها [٢].
فما ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله من أنّ الواضع هو اللَّه لا يتمّ.
بل التاريخ والوجدان يشهدان على أنّ الواضع هو البشر، وتكثّر اللغات وكذا توسعته بيده، فإنّا نجد المخترعين وأرباب الصنائع مثلًا يضعون لمخترعهم وصنعتهم لفظاً ويسمّونه به، ثمّ إذا وصل ذلك المخترع وتلك الصنعة إلى سائر البلاد وضع له أهلها لفظاً آخر بلغتهم ويسمّونه به، وهكذا.
والإنسان كان كذلك في بدء نشأته أيضاً، فإنّه كلّما احتاج إلى تفهيم مقاصده وانتقالها إلى الغير وضع لفظاً للمعنى المحتاج إليه ونقل به مراده إليه، فحينما صار عطشاناً وافتقر إلى ما يرتفع به عطشه أو جائعاً واحتاج إلى ما يرتفع به جوعه وضع لفظ الماء والخبز لحقيقتهما الكلّيّة، وهكذا بالنسبة إلى سائر الألفاظ والمعاني.
إن قلت: لا يتمكّن الواضع من تفهيم أنّ لفظ كذا وضع لمعنى كذا، لأنّ
[١] الروم: ٢٢.
[٢] وأمّا اختلاف الألوان فهو وإن كان فعل اللَّه سبحانه وخارجاً عن اختيار الإنسان، ولعلّ بعض الأفراد السود مثلًا يحزنون به، إلّاأنّه لغرض أهمّ، كما يشير إليه قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» الحجرات: ١٣. م ح- ى.