اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١١٩ - نقد كلام المحقّق النائيني رحمه الله حول واضع الألفاظ
النفوس الأوّليّة كيف كانوا عارفين بجميع اللغات المتداولة في هذا الزمان مع تكثّرها جدّاً؟!
وثانياً: أنّ الوضع لو استند إلى اللَّه تعالى لاستند تكثّر اللغات أيضاً إليه لا محالة، فأوحى بناءً على ما ذهب رحمه الله إليه كلّ لغة منها إلى نبيّ من أنبيائه، أو ألهمها جمعاً من النفوس الأوّليّة، أو أودعها في فطرتهم [١]، وهم بلّغوها إلىسائر أفراد البشر، فأوحى اللغة العربيّة مثلًا إلى واحد من أنبيائه، وهو بلّغها إلى العرب، واللغة الفارسيّة إلى نبيّ آخر وهو بلّغها إلى الفرس، وهكذا، وقس على هذا الإلهام والإيداع في الطباع.
وبالجملة: استناد الوضع إليه تعالى يستلزم استناد تكثّر اللغات أيضاً إليه، وتكثر اللّغات من حيث هو يغاير غرض الوضع الذي هو سهولة التفهيم والتفهّم، حيث إنّه يوجب حرمان أهل كلّ لغة من فهم سائر اللغات وثمراتها إلّا بعد صرف الأوقات الطويلة وتحمّل المشاقّ في طريق تحصيل تلك اللغات، بخلاف ما إذا تكلّم جميع الناس بلغة واحدة في الأسواق والجامعات والحوزات العلميّة وغيرها، ودوّن بها جميع الكتب والجرائد والمجلّات ونحوها، وكان عليها مدار التكلّم في التلفاز والمذياع وشبههما، حيث يفهم حينئذٍ الكلّ كلام الكلّ بسهولة كما لا يخفى، فكيف نقول باستناد هذا الأمر المغاير لغرض الوضع إلى اللَّه سبحانه مستقيماً؟!
إن قلت: كيف يكون تكثّر اللغات مغايراً لغرض الوضع، مع أنّ اللَّه تعالى عدّه من آياته حيث قال: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ
[١] وهنا طريق رابع ملفّق وإن لم يذكره المحقّق النائيني رحمه الله وهو أن يبلّغ بعضها من طريق الوحي، وبعضهاالآخر من طريق الإلهام أو الإيداع في الفطرة والجبلّة. منه مدّ ظلّه.