فقه اللّغة - الثعالبي، أبو منصور - الصفحة ٢٨ - النصُّ محققاً
بكواكب السّدادِ ، ومرآة تُرِيه وَدَائِعَ القلوبِ ، وتكشفُ له عن أسرار الغيوب ، وإنْ حُدِّثَ عن التواضع كان أَوْلى بقول البحتري ممن قال فيه [١] :
|
دَنَوْتَ تواضُعاً وَعَلَوْتَ مَجْداً |
فَشَأْنَاك انْحِدَارٌ [٢] وارْتِفَاعُ |
|
|
كَذَاك الشَّمْسُ تَبْعُدُ أَنْ تُسَامَى |
ويَدْنُو الضَّوْءُ مِنْها والشُّعَاعُ |
فأما [٣] سائر آلات [٤] الفَضْلِ ، وأدوات [٥] الخير ، وخِصَالِ المجدِ فقد قَسَمَ الله [٦] له منها ما يُبَاهِي [٧] الشمس ظُهُوراً ، ويُجَاري القَطْرَ وُفُوراً ، وأَمَّا فُنُونُ الآدَابِ ؛ فهو ابن بَجْدَتِها [٨] ، وأخو جملتها وأبو عذرتها [٩] ، ومالك أَزِمّتِها ، وكأنما يُوحَى إليه في الاستئثار بمحاسنها ، والتَّفَرُّدِ ببدائعها ، ولله هو إذا غرس الدُّرَّ في أرض القِرْطاسِ ، وطَرَّزَ بالظلام رِداء النهار ، وأَلْقَت بِحَارُ خواطره جواهرَ البلاغة على أنامله ، فهناك الحُسْنُ بِرُمَّتِه ، والإِحسانُ بكلِّيتِه ، ولله ميراثُ التَّرَسُّل بأَجْمُعِه ، إذْ قد انتهت إليه اليوم بلاغةُ البُلَغَاءِ ، فما تُظِلُّ الخضراءُ ، ولا تُقِلُّ الغبراءُ في زمننا هذا أجرى منه في ميدانها ، وأحسن تصريفاً [١٠] لِعِنَانِها ، فلو كُنْتُ بالنجوم مُصَدِّقاً ، لقلتُ : قد تَأَنَّقَ عطارَدُ في تدبيره ، وقصرَ عليه معظم هِمَّتِهِ ، ووقَفَ في طاعته عند أقصى طاقته.
[١]هذان البيتان للبحتري من قصيدة مدح بها إبراهيم بن المدبر في ديوانه ٢ / ١٢٤٦ وفي الديوان : ( وبعدت قعراً ) بدل ( وعلوت مجداً ) وفي لباب الآداب ٢ / ٨٧ ـ ٨٨ أن الصاحب بن عباد كان يقول : « أمدح شعر البحتري ، قوله ... وذكر البيتين ».
[٢]في ( ط ) : انخفاض ، وكذا في ديوانه ٢ / ١٢٤٦.
[٣] في ( ط ) : ( وأمّا ).
[٤] في ( ط ) : ( أدوات ).
[٥] في ( ط ) : ( وآلات ).
[٦] في ( ط ) : ( الله تعالى ).
[٧] في ( ط ) : ( يباري ). وبإزائها في هامش ( ح ) : ( يباري ).
[٨] يعنون : العالم بها. قال أبو الطيب المتنبي :
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
وأعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالاً وابتهاجاً وقال لى |
برفقٍ مجيباً ( ما سألتَ يَهُونُ) |
انظر : المضاف والمنسوب للثعالبي ٢٦٨.
[٩] بإزائها في هامش ( ح ) : ( العُذْرَةُ : دَم البَكَارَةِ ) وفي المضاف والمنسوب ٢٤٩ « يقال : فلان أبو عُذْرة هذا الكلام ، أي هو الذي اخترعه ولم يسبقه إليه أَحَدٌ ، وهو مستعارٌ من قولهم : هو أبو عُذْرَتِها ، أي هو الذي افْتَضَّها ويقال : إن المرأة لا تَنْسَى أَبَا عُذْرَتِها ».
[١٠] في ( ط ) : ( تصريفاً منه ).