فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٧
تتوقّف اتفاقاً على نيّة القربة ، قائلاً : « لمّا كانت التوبة من جملة العبادات اعتبر فيها شرائطها ، وعمدتها الإخلاص ، فلا بدّ من إيقاع التوبة لله بحيث لا يشوبها الرياء ... » (٢٣) .
ولكن لا دليل على عباديّة التوبة ، بل مقتضى سيرة المسلمين قديماً وحديثاً عدم عباديّتها ، وأنّ وجوبها توصّلي ، فلو أتى المكلّف بها لا بقصد التقرّب وغير ملتفت إليه صحّت وترتّبت عليها جميع آثارها ، كما لفت لذلك السيد المجاهد (قدس سره) (٢٤) . ولو لم يكن دليلٌ على توصليّتها كما لا دليل على العباديّة فالمرجع هو ما يقتضيه الأصل من التوصليّة ؛ فإنّها مقتضى الأصل اللفظي لو لم نقل باستحالة تقييد الواجب بقصد القربة ، وبأنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق ، بناءً على كون التقابل بينهما تقابل الملكة والعدم لا مطلقاً ، بل مقتضى الأصل اللفظي هو التوصليّة حتى لو قلنا باستحالة تقييد الواجب بقصد القربة وقلنا بأنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق ، كما نبّه عليه السيّد الأستاذ (دام ظله) ؛ وذلك لأنّ الإطلاق ـ وإن قلنا بهما ـ لا يزول ؛ فإنّه يكفي فيه تمكّن المولى من الوصول إلى نتيجة التقييد ، ولو بجملة خبريّة وإن لم يتمكّن من نفس عمليّة التقييد ، فما دامت تلك النتيجة ممكنة للمولى فعدم قيامه بأيّ عمل يؤدّي إليها يوجب كون الإطلاق حجّة في أنّ مراده الجدّي هو التوصليّة .
ولو تنزّلنا عن كون التوصليّة هي مقتضى الإطلاق اللفظي فإنّ النوبة تصل إلى الإطلاق المقامي ؛ وذلك لأنّ الأصل في المولى أن يكون في مقام بيان تمام ما له دخل في غرضه وملاكه ، فإذا لم يأتِ ببيانٍ على شيء يُشكّ في دخله في غرضه ولو كان بياناً منفصلاً وما يسمّى بمتمّم الجعل فقد تحقّق الإطلاق المقامي ، وأنّ ما هو دخيل في غرضه هو خصوص ما بيّنه ، ومقتضاه التوصليّة (٢٥) .
كما أنّ التوصليّة هي مقتضى الأصل العملي ؛ فإنّه ـ بناءً على إمكان تقييد
(٢٣) المجلسي ، محمد باقر ، حق اليقين : ٤٥٢ .
(٢٤) المجاهد ، محمد ، في رحاب التوبة : ٧٩ .
(٢٥) يلاحظ : الدرس ( ١٤ ) من الدورة الاُصوليّة المختصرة التي بدأها سماحة الأستاذ العلامة السيّد منير الخبّاز (دام ظله) في ٨ شوال سنة ١٤٣٠ هـ .