فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٦
التوبة ، كما هو الحال في العزم على ترك العود إلى المعاصي ، منها قوله سبحانه : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (١١) ، وقوله سبحانه : { ... كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (١٢) ، وقوله سبحانه : { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } (١٣) ، وهذه الآيات عامّة غير مختصّة بمعصية دون اُخرى ، وإن جاءت بعض الآيات باعتبار الإصلاح في موارد خاصّة ، كما في توبة مَن يكتم العلم (١٤) ، ومن أتى الفاحشة (١٥) ، والمرتدّ (١٦) ، والمنافق (١٧) ، والقاذف (١٨) ، وبتلك الآيات تقيّد بعض الآيات المطلقة ، مثل قوله سبحانه : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } (١٩) ، وقد صرّح بعض الأعلام (دام ظله) باعتبار الإصلاح في ترتّب الأثر على التوبة (٢٠) ، فالتوبة المسقطة للأمر بها لا تتوقّف على الإصلاح ، وإن كان دخيلاً في تحقّق المغفرة .
ثمّ إنّه قد وردّ في جملة من الروايات أنّ توبة القاذف أن يكذب نفسه ، فلا تقبل توبته ولا شهادته بدون ذلك ، منها صحيحة أَبِي الصَّباحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الْقَاذِفِ بَعْدَ مَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَا تَوْبَتُهُ ؟ قَالَ : « يُكْذِبُ نَفْسَهُ » . قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَتَابَ أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؟ ! قَالَ : « نَعَمْ » (٢١) .
ومنها مرسلة يُونُسَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام)قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي يَقْذِفُ الْمُحْصَنَاتِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الْحَدِّ إِذَا تَابَ ، قَالَ : « نَعَمْ » ، قُلْتُ : وَمَا تَوْبَتُهُ ؟ قَالَ : « يَجِيءُ فَيُكْذِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الإِمَامِ ، وَيَقُولُ قَدِ افْتَرَيْتُ عَلَى فُلانَةَ وَيَتُوبُ مِمَّا قَال » (٢٢) .
٤ ـ قصد القربة :
يظهر من العلامة المجلسي (رحمه الله) في حق اليقين أنّ التوبة من جملة العبادات التي
(١١) المائدة : ٣٩ .
(١٢) الأنعام : ٥٤ .
(١٣) النحل : ١١٩ .
(١٤) راجع : البقرة : ١٥٩ ، ١٦٠ .
(١٥) راجع : سورة النساء: ١٦ .
(١٦) راجع : آل عمران : ٨٦ ـ ٨٩ .
(١٧) راجع : النساء : ١٤٥ ـ ١٤٦ .
(١٨) راجع : النور : ٤ ـ ٥ .
(١٩) النساء : ١٧ .
(٢٠) السيستاني ، علي ، تعليقة على العروة الوثقى ١ : ٢٧٨ ، ح ٩٩٣ .
(٢١) الحرّ العاملي ، محمد بن الحسن ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٨٣ ، ب ٣٦ من الشهادات ، ح ١ .
(٢٢) المصدر السابق : ح ٤ .