في بحوثه الاستنباطية علي دراسة سائر الأدلّة ويمرّ مروراً سريعاً علي الدليل القرآني . وأيضاً نجد المفسِّر يتوسّع في بحث سائر الآيات سوى آيات الأحکام .
في حين نجد بعض العلوم التي لها حالة مشابهة بفقه القرآن لم تُمنَ بما مُني به من عدم العناية ، نظير الأحاديث الفقهية ، فعلي الرغم من کونها تقع تحت خيمة الحديث العامّة من ناحية ، ومن ناحية ثانية تقع ضمن دائرة اهتمام الفقيه إلا أنّه قد اُفرد لها مجالاً خاصّاً بها .
ومن هنا کان من اللازم إحياء هذا المجال المعرفي ، ولا شك بأنّ تعيين المنهجية يُعدّ خطوة صاعدة في هذا السبيل .
ثانياً : إنّ ما يُسمّي بـ ( فقه القرآن ) هل يستحقّ أن يُطلق عليه عنوان العلم أو الفنّ ؟
إنّ الإجابة تستلزم تحديد مصطلح ( العلم ) بشکل کلّي أوّلاً ، والمراد بالعلم في المقام ما هو المصطلح في المجال المنهجي والتدويني في تنويع العلوم والمعارف البشرية ، وهو عبارة عن اُصول كلّية في موضوع واحد ، كعلم الفقه الذي موضوعه الأحكام الشرعية ، ويُرادفه بالإنجليزية (Science) .
وليس المراد العلم في مصطلح الفلاسفة والمناطقة الذي هو مجموعة من التصورات والتصديقات الذهنية ، وإلا لا شكّ في کونه مجموعة وافرة من المعلومات التي تُمثّل صوراً ذهنية تصوّرية وتصديقية منطبعة في الذهن .
والمذکور أنّ العلم له أجزاء ثلاثة : الموضوعات ، والمسائل ، والمبادئ بالمعني الأخصّ .
التعليق :
يبدو أنّ مرادهم : أنّ نصاب العلم هو توفّر هذه العناصر الثلاثة مطلقاً ، لکن
أ ـ تعريف الفنّ لغةً : إنّ الفنّ : واحد الفنون ، وهو في الأصل : الضرب من الشيء ، والفنون : الأنواع ، والأفانين : الأساليب ، وهي أجناس الکلام وطرقه . ورجل متفنّن : أي ذو فنون . وافتنّ الرجل في حديثه وفي خطبته : إذا جاء بالأفانين . ورجل مفنّ : يأتي بالعجائب ، وامرأة مفنّة . والفنّان : الحمار الوحشي الذي يأتي بفنون العدو . والفنن : الفرع من الشجر . [ اُنظر : الجوهري ، إسماعيل بن حمّاد ، الصحاح ٦ : ٢١٧٧ ـ ٢١٧٨. الزبيدي ، محمّد مرتضي ، تاج العروس ١٨ : ٤٣٦ . ابن منظور الإفريقي ، محمّد بن مکرّم لسان العرب ، ١٣ : ٣٢٦ ـ ٣٢٧ ].
ب ـ تعريف الفنّ عُرفاً واصطلاحاً : وقد صار للفنّ عدّة إطلاقات عرفية واصطلاحية فيما بعد ، فاُطلق علي معني أضيق من المعني الأصلي ، أي يطلق علي خصوص المعاني ، کما أنّ استعمال لفظ ( الفنّ أو الفنون ) في هذه الدائرة الضيّقة أيضاً فيه تفاوت بلحاظات مختلفة کاختلاف المرحلة الزمنية واختلاف المجال : ١ ـ فالفنّ بالمعني العامّ والواسع هو : مجموع الوسائل العملية والفکرية المُستخدمة لتحقيق غرض ما . [ اُنظر : البعلبکّي ، منير ، موسوعة المورد ، دار العلم للملايين ـ بيروت ، ط ١ / ١٩٨٠ م ، ١ : ١٦٦ ]. ٢ ـ وکثيراً ما يستعمله القدماء من علماء الإسلام في خصوص الشقّ الثاني فحسب ، وهو العلوم والمعارف ، فيُقال : أساطين الفنّ وأهل الفنّ : وهم العارفون بکلّ الاُمور المتعلّقة بصنعتهم ، ، کما هو واضح لکلّ من تابع کلماتهم . [ اُنظر : فتح الله ، أحمد ، معجم ألفاظ الفقه الجعفري : ٧٦ ]. ٣ ـ وقد يُطلق ويُراد منه خصوص الشقّ الأوّل فحسب ، وهو المهارة العملية ، فقيل الفنون : تطبيق عملي لقواعد نظرية ووسائل تحقيقها ، أو هي مجموع قواعد تتعلّق بحرفة أو مهنة أو نشاط اجتماعي [ اُنظر : المنجد في اللغة العربية المعاصرة : ١١١١ ]. وهذا الإطلاق يکون في مقابل العلم بالمعني الأخصّ ، وهو المعرفة المنظّمة المتّسقة المبنية علي الملاحظة والاختبار ، ويُطلق عليه بالانجليزية ( Science ) . [ اُنظر : البعلبکّي ، منير ، موسوعة المورد ، ٩ : ٧ ]. ٤ ـ وقد صار له أخيراً معني اصطلاحي خاصّ ، فقد عرّفه البعلبکي بأنّه : استخدام البراعة والذوق لإنتاج شيء ما وفقاً لقواعد جمالية ، وبکلمة اُخرى : الفنّ خلق الجمال من طريق الشکل أو اللون أو الصوت أو الکلمة أو الحرکة .[ اُنظر : البعلبکّي ، منير ، موسوعة المورد ، ١ : ١٦٦ ]. وعرّفه القلعجي بأنّه : المهارة التي يحکمها الذوق کالرسم والموسيقي ، وتُثير العواطف کالحبّ والإعجاب ونحوهما .[ اُنظر : قلعجي ، محمّد رواس ، معجم لغة الفقهاء : ٣٥٠ ]. وعرّفه المعجم الفلسفي بأنّه : تعبير خارجي عمّا يحدث في النفس من بواعث وتأثّرات بواسطة الخطوط أو الألوان أو الحرکات أو الأصوات أو الألفاظ ، ويشمل الفنون المختلفة کالنحت والتصوير . اُنظر : المعجم الفلسفي ( مجمع اللغة العربية ) : مادّة ( الفنّ ) . ويُرادفه بالانجليزية ( Art ) . [ اُنظر : البعلبکّي ، منير ، المورد : ٦٤ ]. فإنّ هذا النحو من التعبير الخارجي وإن کان مهارة عملية أيضاً لکن أساسها استثمار عامل الذوق وتحريك عنصر العواطف ، ومن هنا اُطلق علي مجموعة من المهارات اسم ( الفنون الجميلة ) [ اُنظر : جهامي ، جيرار ، موسوعة مصطلحات الفکر العربي الحديث والمعاصر ، مکتبة لبنان ، ط ١ / ٢٠٠٢ م ، ٣ : ١٤٦٣ ]. ولعلّه مأخوذ من أحد معانيه اللغوية ، وهو : التزيين . [ اُنظر : الزبيدي ، محمّد مرتضي ، تاج العروس ، ١٨ : ٤٣٦ ]. وهذا الإطلاق هو الأکثر شيوعاً في العصور المتأخّرة وفي عصرنا الراهن . وکانوا في الماضي يُقسّمون الفنون إلي ثلاثة أقسام : فنون جميلة ، وفنون السلوك ، وفنون عالية ، فالفنون الجميلة تختصّ بإدراك الجميل ، وفنون السلوك تختصّ بإدراك الخير ، والفنون العالية تختصّ بإدراك النافع . [ اُنظر : غربال ، محمّد شفيق ، الموسوعة العربية الميسّرة ، دار إحياء التراث العربي ( صورة طبق الأصل عن طبعة ١٩٦٥ م ) ٢ : ١٣١٦ ]. ٥ ـ وکلّ هذه الإطلاقات ليست مُرادة لنا هنا ، بل المُراد الفنّ بمعني المهارة العلمية ضمن علم معيّن ومجال معرفي خاصّ ، وما يُصطلح عليه اليوم بالفروع العلمية لعلم من العلوم ، أي تطبيق منهج العلم وقوانينه في مجال محدّد ، کطبّ العيون الذي هو فنّ وفرع من علم الطبّ الاُمّ ، وهو يُرادف التخصّص في فرع من فروع العلم . انظر : قلعجي ، محمد رواس ، معجم لغة الفقهاء ، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ، ط ٢ / ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م : ٣٢٠ . فتح الله ، أحمد ، معجم ألفاظ الفقه الجعفري ، مطابع المدوخل ـ الدّمام ، ط ١ / ١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م : ٢٩٦ .
اُنظر : البعلبكّي ، منير ، المورد ( قاموس إنجليزي عربي ) ، دار العلم للملايين ـ بيروت ، ط ٢٥ / ١٩٩١ م : ٨١٩ .
اُنظر : ملا عبد الله ، الحاشية علي تهذيب المنطق ، مؤسّسة إسماعيليان [ تعليق : السيد مصطفي الحسيني الدشتي ] ـ قم ، ط ٥ / بدون تاريخ : ٢٠٩ ـ ٢٢٦ .
الموضوعات : ما يُبحث في العلم عن أعراضها الذاتية . اُنظر : المصدر السابق : [ ٢٠٩ ـ ٢١٠ ].
المسائل : قضايا تُطلب في العلم ، وموضوعاتها إمّا موضوع العلم أو نوع منه أو عرض ذاتي له أو مرکّب ، ومحمولاتها اُمور خارجة عنها لاحقة لذواتها . [ انظر: المصدر السابق : ٢١٣ ].
المبادئ : هي حدود الموضوعات وأجزائها وأعراضها ، ومقدّمات بيّنة أو مأخوذة يبتني عليها قياسات العلم . وهذه هي المبادئ بالمعني الآخصّ . وهي داخلة في العلم . وهي قضايا نظرية في الأغلب ، وقد تکون بديهية تحتاج إلي تنبيه .
وأنت إذا تأمّلت المبادئ اتّضح لك : أنّها ما يُبني عليه المسائل ممّا يُفيد تصوّرات أطرافها ـ الموضوعات والمحمولات ـ أو التصديقات بالقضايا المأخوذة في دلائلها . والاُولي هي المبادئ التصوّرية ، والثانية هي المبادئ التصديقية . ثمّ إنّ المبادئ التصديقية علي قسمين : إمّا هي مقدّمات بيّنة بنفسها ، أي بديهية ، وتُسمّي علوماً متعارفة . وإمّا هي مقدّمات نظرية ، فإن أذعن بها الباحث وسلّم بها سُمّيت اُصولاً موضوعة ، وإن أخذها مع استنکار سُمّيت مصادرات . ومن هنا يُعلَم أنّ مقدّمة واحدة يجوز أن تکون أصلاً موضوعاً بالنسبة إلي شخص ومصادرة بالقياس إلي آخر . [ انظر : المصدر السابق : ٢١٣ ، الشرح ]. وقد يُقال المبادئ لما يُبدأ به قبل المقصود ، والمقدّمات لما يتوقّف عليه الشروع علي وجه الخبرة وفرط الرغبة ، کتعريف العلم وبيان غايته وموضوعه . وهو اصطلاح آخر غير ما تقدّم وضعه ابن الحاجب في مختصر الاُصول . وهذه هي المبادئ بالمعني الأعمّ . وهي بهذا المعني تکون خارجة عن العلم ، بخلاف المبادئ بالمعني الأخصّ .
تتميم وإيضاح : ١ ـ کان متعارفاً لدى القدماء أنّهم يذکرون في صدر کتبهم ما يُسمّونه الرؤوس الثمانية ، وهي : الأوّل : الغرض والعلّة الغائية ؛ لئلا يکون النظر فيه عبثاً ، والمراد به الباعث للفاعل علي صدور ذلك الفعل منه . الثاني : المنفعة ؛ وهي ما يُتشوّقه الکلّ طبعاً لينشط بالطالب ويتحمّل المشقّة ، والمراد بها ما يتزتّب علي الفعل . الثالث : السمة ؛ وهي عنوان العلم وبيان وجه التسمية ، ليکون عنده إجمال ما يُفصّله . الرابع : المؤلِّف ؛ ليسکن قلب المتعلِّم . الخامس : أنّه من أيّ علم هو ؟ ومن أيّ جنس من أجناس العلوم ؟ ومن أيّ سنخ منها ؟ ليطلب فيه ما يليق به . السادس : أنّه في أيّ مرتبة هو ؛ ليقدّم علي ما يجب ويؤخّر عمّا يجب . السابع : القسمة والتنويع أي تقسيم البحث إلي أبواب ؛ ليطلب في کلّ باب ما يليق به . وهو ما يُصطلح عليه عند المعاصرين بـ ( خطّة البحث ) . الثامن : الأنحاء التعليمية ؛ وهي التقسيم أي التکثير من فوق ، والتحليل وهو عکسه ، والتحديد أي فعل الحدّ ، والبرهان أي الطريق إلي الوقوف علي الحقّ والعمل ، وهذا الأمر الثامن بالمقاصد أشبه . ٢ ـ وأمّا المعاصرون فهم مع أخذهم ما تقدّم إجمالاً بعين الاعتبار فقد أکّدوا في کيفية تدوين البحوث علي اُمور إضافية ، وهي : ضرورة البحث ، وتحديد جهة البحث ، وعدم الاکتفاء بتحديد النوع والسنخ ، وتحديد المشکلة والسؤال الأصلي ، والأسئلة الفرعية التي يُعالجها البحث ، وبيان السابقة التاريخية للبحث ، ما يمتاز به البحث عن غيره من البحوث ، وبيان منهج البحث .