رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٧٥ - المرحلة السادسة في اعتبار الملكة في مفهوم العدالة و عدمه
النفس، و له مراتب متكثّرة متحدة الذات و مختلفة الصفات في الشدة و الضعف و الأشدّية و الأضعفيّة، و أوّل مراتبه خوف من يغلب عليه الشهوة و هو النفس غالبا فيكثر وقوعه في الإثم، و آخر مراتبه مرتبة العصمة التي لا يعتري صاحبها غفلة و لا غلبة شهوة و لا متابعة هوى طرفة عين أبدا و بينهما متوسّطات، و منشأ هذا الاختلاف اختلاف مراتب الإيمان قوّة و ضعفا، و لذا قيل: أخوف الناس لربّه أعرفهم بربّه و بنفسه، و منه قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنا أخوفكم للّه» [١] و قال الصادق (عليه السلام):
«من عرف اللّه خاف اللّه» [٢] الحديث.
و النكتة في الحصر المستفاد من قوله عزّ من قائل إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ [٣] هي كمال معرفتهم و في الدعاء المنسوب إلى السيد السجاد (عليه السلام) «عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك» [٤].
فكلّما ضعف الإيمان ضعف الخوف، و كلّما قوى الإيمان قوي الخوف، فالمرء بقدر كمال معرفته يرسخ الخوف و الاضطراب و الحرقة في قلبه حتى يظهر أثره على البدن و الجوارح بكفّها عن المعاصي و بعثها على الطاعات إلى أن يبلغ بصاحبه بسببه تزايده، إلى أن يسدّ الشهوات على نفسه، و ينزّل اللذات على مذاقه منزلة السم المهلك، ثمَّ يفرّغ القلب بتصاعده عن المحظورات و المهلكات التي محلّها القلب من الكبر و الحقد و الحسد، و يقرّ فيه مكانها الذبول و الخشوع و الذلّة و الاستكانة، فهو الهيئة الراسخة الباعثة على ملازمة التقوى التي هي عبارة عن اجتناب الكبائر بل مطلق المعاصي.
و أمّا الثاني: فلأنّ الحياء تغيّر و انفعال يعتري الإنسان عند حضور ذي شأن مطّلع عليه و على ما يخاف أنّه لو وقع منه يعاقب عليه و يذمّ، و لا يكون إلّا فيما يستقبحه طبعه، سواء كان في الواقع قبيحا أولا، و أصله فيما بين العبد و الرب الإيمان باللّه و بقدرته و علمه به و بفعله، و أنّه لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في
[١] لم نعثر عليه
[٢] الكافي ٢: ٦٨ ح ٤.
[٣] فاطر: ٢٨
[٤] البحار ٨٦: ٢٢٧.