رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٤٠ - أمّا المرحلة الاولى فحقيقة التوبة
يثمرها الإيمان، و هو يتبع طلب العفو عن الماضي و العزم على الترك في المستقبل، و لذا يقال: إنّه يكون محفوظا بطرفيه، أعني مثمرة و ثمرته، و يلزمه ترك الذنب في الحال للّه، فللتوبة بمعنى الرجوع إلى اللّه، جسد و هو ترك المعصية في الحال، و روح و هو الندم، و أصل و هو الإيمان، و فرع و هو الاستغفار، و العزم على عدم العود في المستقبل، و لقد أشار إلى بعض ذلك أيضا في الخبر المشار إليه حيث قال (عليه السلام): فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن- إلى قوله: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلّا أنّه ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقّا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا، و المصر لا يغفر له، لأنه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم. الحديث.
فالمراد من الإيمان المعتبر في التوبة هو التصديق بالذنب من حيث كونه مخالفة و آثاره من البعد و المقت و استحقاق العقوبة، فلا ينافي نفيه الإيمان باللّه و وحدانيّته و صفاته و رسله و كتبه، و هو المراد بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في المروي مرسلا:
لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن [١] و إنّما أراد به نفي الإيمان بكون الزنا مبعدا عن اللّه و موجبا لمقته و سخطه.
و قيل: ليس الإيمان بابا واحدا، بل هو كما ورد نيّف و سبعون باب أعلاها شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أدناها إماطة الأذى عن الطريق، و قد مثل له بقول القائل:
ليس الإنسان موجودا واحدا، بل هو نيّف و سبعون موجودا أعلاها القلب و الروح و أدناها إماطة الأذى عن البشرة، بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأظفار نقي البشرة عن الخبيث ليتميّز عن البهائم المرسلة المتلوّثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها و أظفارها، فالأيمان كالإنسان [٢] انتهى.
و لعلّ مراده في النبوي من نفي الإيمان عن الزاني حين يزني المبالغة في ضعفه الباعث على انطفاء نوره بغلبة نار الشهوة و هوى النفس، لا نفيه على وجه يرجع إلى الإنكار و التكذيب لقبح الزنا و كونه عصيانا للرّب موجبا لمقته و شدّة
[١] الكافي ٢: ٢٨٥ ح ٢٢
[٢] المحجة البيضاء في إحياء الاحياء ٧: ١٣.