رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٤١ - أمّا المرحلة الاولى فحقيقة التوبة
العقوبة عليه، و إلّا كان من كفر الجحود، و بذلك يحصل الجمع بينه و بين الخبر المتقدّم الدال على أنّ التوبة بمعنى الندم من لوازم الإيمان، فإنّ بعثه على الندم الكاشف عن وجوده يكشف عن وجوده حين يبعث الشهوة و هوى النفس على الخوض في الذنب و الدخول على المعصية، فالتائب لا يزال مؤمنا من حين الذنب إلى حين يتوب، غاية الأمر أنّه حين الذنب مقهور مغلوب عن الهوى و الشهوة و بضعفة يصير مغلوبا و بعد مغلوبيته ازداد ضعفا، و يلزم منه كون بعثه على الندم بعد الذنب أشقّ و أثقل من بعثه على ترك الذنب قبل صدوره. هذا هو معنى ما روي مرسلا من قوله (عليه السلام): «ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة» [١] و كلّما أصرّ المذنب على ذنبه و داومه و أقام عليه صارت التوبة عليه أشقّ و أعسر.
فإن [شئت] قلت: الإنسان في أصل خلقته صاف صيقلي كالمرآة الصيقلية، و كلّ شهوة تبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة على قلبه كما يرتفع من نفسه ظلمة على وجه المرآة، و إذا تراكمت ظلمات الشهوات صارت ريّنا كما قال تعالى بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ [٢] كما يصير بخار النّفس في وجه المرآة خبثا، و إذا تراكم الرين صار طبعا، فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم و طال زمانه حتى غاص في جرم الزجاج و الحجر، فلا يزول إلّا بعلاج صعب في مدة طويلة، بل ربّما لا يقبل العلاج لخروجه فاسدا.
و يشهد لجميع ما ذكر رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما من عبد إلّا و في قلبه نكتة بيضاء، فإن أذنب خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، و إن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، و إذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى الخير أبدا، و هو قول اللّه عزّ و جلّ كَلّٰا بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ [٣].
فعلى التقي الزكي اللبيب أن لا يسامح في التجنّب عن الذنب المبعد عن اللّه
[١] الكافي ٢: ٤٥١ ح ١
[٢] المطففين: ١٤.
[٣] الكافي ٢: ٢٧٣ ح ٢٠.