رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٦ - المرحلة الرابعة في المروءة
على ارتكاب الذنب و عدمه، و هذا كما ينفي اعتبارها شطرا في معنى العدالة كذلك ينفي اعتبارها شرطا في الشهادة.
ثمَّ على القول بالاعتبار ربّما يتكلّم في أنّ منافيات المروءة هل توجب الفسق بمجرّدها كالكبائر، أو بشرط الإصرار و الإكثار كالصغائر، أو يفصّل بين ما كان أشنع في نظر العرف كتقبيل الزوجة في المحاضر و ما دونه كالأكل في الأسواق، فعن بعض سادة المشايخ [١] ذكر هذه الوجوه و اختيار أخيرها، مستشهدا بكلام جماعة قيّدوا الأكل في السوق بالغلبة و الدوام.
و من مشايخنا من يظهر منه اعتبار صيرورة ارتكابها خلقا له، حيث قال: ثمَّ إنّ الظاهر ارادة الخلق في منافيات المروءة القادحة في العدالة كما يشير إليه كلام ثاني الشهيدين، لا أنّ اتفاق وقوع النادر قادح، و ليس هو أعظم من الصغيرة [٢] انتهى.
و الظاهر أنّه أراد بالخلق ما هو مصطلح علماء الأخلاق المعرّف بالهيئة الراسخة في النفس التي تصدر منها الأفعال بسهولة و يسر من غير حاجة إلى فكر و رويّة، فإن كانت الهيئة بحيث يصدر منها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا أو شرعا أو عرفا سمّيت الهيئة خلقا حسنا، و إن كانت بحيث تصدر منها الأفعال القبيحة المذمومة عقلا أو شرعا أو عرفا سمّيت خلقا سيّئا، و إنّما اعتبر كونه هيئة لا فعلا إذ ربّ شخص خلقه السخاء مثلا و لا يبذل لفقد مال أو لمانع آخر، و ربّما يكون خلقه البخل و هو يبذل لباعث الشهرة أو رياء، و إنّما شرط الرسوخ لأنّ من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال: خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ، و إنّما شرط السهولة و عدم الروية لأنّ من تكلّف بذل المال لا يقال: خلقه السخاء.
و تحقيق المقام: أنّ اعتبار المروءة في مفهوم العدالة إن كان من حيث نفسها
[١] و هو السيّد الشفتي في مطالع الأنوار ٤: ٢٢.
[٢] هو الشيخ محمد حسن في الجواهر ١٣: ٣٠٥.