رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٥ - المرحلة الرابعة في المروءة
و أمّا ما أحدثه بعض متأخّري المتأخّرين [١] من توهّم التفصيل، بأنّه لو كشف فعل منافي المروءة عن قلّة المبالاة في الدين بحيث لا يوثق معه بالتحرز عن الكبائر و الإصرار على الصغائر كانت المروّة معتبرة، و إلّا فلا.
ففيه: أنّه ليس تفصيلا في كون المروءة معتبرة في معنى العدالة، بل هو إنكار لاعتبارها مطلقا حتى في الصورة الأولى، لوضوح الفرق بين كون وجود شيء مأخوذا في مفهوم العدالة ليكون ماهيّة مركبة من جزءين أو أكثر، و بين كون عدمه علامة لعدم انعقادها، باعتبار انتفاء سائر أجزائها أو عدم الوثوق بوجود سائر الأجزاء، لعدم كون ذلك من اعتبار وجوده معها في شيء، فليتدبّر.
و قد يتمسّك لاعتبار المروّة- بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ العدالة- بكونه القدر المتيقّن ممّا أخذ في المسمّى الشرعي، المفروض كونه مجملا، فوجب الأخذ به و الاقتصار عليه في ترتيب الأحكام و الآثار المعلّقة على العدالة.
و يزيّفه، مع أنّه ليس إثباتا لحقيقة المعنى الشرعي في الواقع، بل هو احتياط في العمل تحصيلا لليقين بإحراز موضوع الأحكام المعلّقة على العدالة، منع كون المرجع على تقدير الإجمال في المسمّى الشرعي هو الاحتياط على إطلاقه، بل قد يكون هو الأصل النافي لاعتبار ما زاد على اجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، و هو على تقدير التعويل عليه وارد على الاحتياط، مع وضوح المنع من دعوى الاجمال بعد ملاحظة ما بيّناه من دلالة قوله (عليه السلام): «و أن يعرف باجتناب الكبائر» على عدم اعتبار المروءة، محافظة على اطّراد التعريف.
هذا مع إمكان استظهار عدم الاعتبار أيضا من قوله: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه الشاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة» في رواية صالح بن علقمة [٢] لقضائه بكون المدار في العدالة ثبوتا و انتفاء
[١] راجع رسالة العدالة للشيخ الأنصاري (رسائل فقهية): ٢٢ حيث نقل نص العبارة عن بعض متأخّري المتأخّرين.
[٢] الوسائل ٢٧: ٣٩٥ ب ٤١ من أبواب الشهادات ح ١٣.