رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٧ - المرحلة الرابعة في المروءة
فالمتّجه عدم اعتبار الإصرار في قدح ما ينافيها قضية لإطلاق الأكثر، و مقايسته بالصغيرة بدعوى أنّه ليس بأعظم من الصغيرة باطلة، لوضوح الفرق بأنّ قدح الإصرار على الصغيرة إنّما هو لرجوعه إلى الكبيرة لا من حيث هو، إلّا على أحد الوجهين المتقدّمين.
و إن كان من حيث كشفه عن قلّة مبالاة في أمر الدين بحيث لم يوثق معه بالتحرّز عن الكبائر و الإصرار على الصغائر فالمتّجه هو اعتبار الإصرار في فعل ما ينافيها بل اعتبار الغلبة، على معنى كون الغالب من أحواله ارتكاب المنافيات و الإكثار فيها، لأنّ الكاشف عن قلّة المبالاة هو ذلك لا غير، بل قضيّة اطّراد إناطة القدح في العدالة بانكشاف قلّة المبالاة هو اعتبار صيرورة ارتكابها خلقا كما استظهره بعض مشايخنا [١]، و يساعد عليه أيضا التمسك لاعتبار المروءة بقوله (عليه السلام): «أن يكون ساترا لعيوبه» لأنّ ارتكاب منافيات المروءة إنّما يصير عيبا إذا صار خلقا لا لمجرّد صدوره فعلا على الندرة.
و حيث إنّ هذا العيب وصف نفساني فالكاشف عن وجوده تكرّر صدور ارتكابها على وجه الدوام أو الغلبة، و لعلّه سرّ ما سمعت نسبته إلى جماعة من تقييدهم الأكل في الأسواق بالغلبة و الدوام، و لو اعتبرنا في العدالة كونها ملكة تبعث على ملازمة التقوى و المروءة لزم منه اعتبار كون المروءة أيضا من قبيل الخلق، و عليه ينطبق معناها لغة على ما عن القاموس: من كونها مأخوذة عن مرؤ ككرم، و قرب مروءة فهو مريء أي ذو مروءة و إنسانيّة و تمرّأ تكلّفها. و عزّى نحوه إلى الصحاح، و زاد قوله: و قد تشد فيقال: مروّة.
و عرّفت اصطلاحا بآداب نفسانيّة تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق و جميل العادات، و قد تحقّق بمجانبة ما يؤذن بخسّة النفس من المباحات، كالأكل في الأسواق حيث يمتهن فاعله.
و في معناه ما عن الدروس: من أنّ المروّة تنزيه النفس عن الدناءة التي
[١] الجواهر ١٣: ٣٠٥.