دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٣٣٧
و المعذرية، فليس من الصحيح الاستدلال بكل سيرة عقلائية، بل يمكن أن يقال على العكس من ذلك بأننا يمكن الاستدلال بالسيرة هنا لإثبات" وجوب تقليد الأعلم"، و ذلك برجوع الناس إلى الأعلم من الأطباء حينما يصابون بمرض خطير، و عدم الالتزام بقول الأعلم من الفقهاء قد يؤدي إلى نتيجة وخيمة و هي عدم إصابة الواقع لأن قول الأعلم أقرب إلى إصابة الواقع، و هذا كالمرض الخطير لأنه تترتب عليه السعادة الأبدية بالابتعاد عن النار و دخول الجنة، فكما أن الناس يسعون للحصول على العلاج من الطبيب الأعلم في حالة المرض الخطير فبطريق أولى عليهم أن يسعوا للحصول على العلاج من الفقيه الأعلم في قضايا دينهم و آخرتهم و سعادتهم الأبدية،
و لكن الناس عادة لا يهتمون بأمور آخرتهم التي تؤدي بهم إلى الخلود كما يهتمون بأمور دنياهم التي تؤدي بهم إلى الفناء.
في المقام الثاني:
السيرة العقلائية على العمل بالظن في مجال الأغراض التشريعية لا يكون حجة أيضا لأن جعل شيء منجِّزا أو معذِّرا هو من شئون المولى و الحاكم لا من شئون المأمور، فبناء العقلاء على جعل قول اللغوي حجة إنما هو أمر يخص هؤلاء العقلاء و هو تشريع بين الآمرين و المأمورين من العقلاء، و الشارع لا يهمّه الأغراض التشريعية للآخرين و لا تفوِّت عليه غرضه و لا تضرّه في شيء، فلا يردعهم عنها لأنها أمر خاص بهم، فسكوته عنها لا يدل على الإمضاء و الرضا، و هناك فرق بين سيرة العقلاء على ملكية الحائز و بين سيرتهم على حجية قول اللغوي لأن السيرة الأولى تقتضي سلوكا لا يقرّه الشارع إذا كان لا يرى الحيازة سببا للملك، و هذا بخلافه في السيرة الثانية، فما تقتضيه السيرة الثانية من سلوك لا يتجاوز الالتزام بأن قول اللغوي حجة في علاقات العقلاء و لا يضرّ الشارع ذلك في شيء.