تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٧٩ - المناقشة
اللّسان علّة لعلم الفرد الجاهل بالوضع، فعلمه معلول للتبادر عندهم، و ليس التبادر عندهم معلولًا لعلم الفرد.
فالحق: إن التبادر حجّة عند أهل المحاورة فقط، و على الجاهل بالمعنى أنْ يرجع إلى أهل اللّسان، و من انسباق المعنى إلى أذهانهم بدون الاستناد إلى قرينةٍ، يستكشف المعنى الحقيقي للّفظ، و دليل اعتباره هو السيرة العقلائية.
هذا، و قد ذكر دام ظلّه «السيرة العقلائية» دليلًا آخر على أن التبادر علامة الحقيقة، و ذكر أنّه عن طريق الاستدلال الأول- و هو كون التبادر أحد المعاليل- يستكشف نفس المعنى الحقيقي، أما الاستدلال بالسيرة فيفيد قيام الحجّة العقلائية على المعنى الحقيقي.
و كيف كان، فلا بدّ من إثبات هذه السيرة و بيان اعتبارها و حدّ دلالتها.
ذكر بعضهم كالمحقّق الأصفهاني: أن التبادر عند أهل اللّسان علامة للجاهل بالمعنى، و هو يفيد العلم بالمعنى الموضوع له، لأن المفروض عدم وجود قرينةٍ في البين، فلا محالة يكون من الحيثيّة المكتسبة من العلقة الوضعيّة، فهو- إذن- علامة تفيد القطع بالمعنى.
و قد أورد عليه شيخنا بوجهين:
أوّلًا: إنه لا ريب في أن التبادر لدى العارف باللّسان العالم بالوضع، ليس بحاكٍ عن الوضع التعييني للّفظ، فالذي يمكن تصوّره هو أن يكون عالماً بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال، فيستعمل اللّفظ في معناه بكثرةٍ حتى يصل إلى حدّ صيرورة اللّفظ قالباً للمعنى. و على هذا، فكيف يمكننا إحراز أنّ هذا العارف باللّسان كان انسباق المعنى إلى ذهنه غير ناشئ عن كثرة الاستعمال؟ إن هذا الاحتمال لا طريق إلى نفيه.