تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٨٠ - المناقشة
و بعبارةٍ اخرى: لقد اشترطنا في التبادر أن لا يكون مستنداً إلى قرينةٍ، و القرينة إمّا خاصّة و إمّا عامّة، و القدر الممكن نفيه من القرائن هو القرائن الخاصّة، لأنّا نعلم بعدم وجود كليّةٍ و جزئيّة، و سببيّة و مسبّبية، و كذا غير ذلك من القرائن الخاصة، و أمّا القرائن العامّة- كالشهرة في المجاز المشهور- فلا سبيل لنفيها.
و قول المحقق العراقي بأن الملاك في مثلها هو الاطراد و عدمه، بمعنى أنه إنْ كان المعنى ينسبق من اللّفظ في جميع موارد استعماله على حدّ سواء، فهو المعنى الحقيقي. ففيه: إنه لا يتصوّر الاطّراد و عدمه في القرائن العامة، لأنها دائماً موجودة مع اللّفظ، و لا يمكن تجريده عنها، فمن الصعب تحقّق صغرى التبادر في موارد احتمال وجود القرينة العامّة، فيكون الكلام مجملًا، و أمّا احتمال انسباق المعنى إلى ذهن العارف باللّسان على أثر كثرة استعمال اللّفظ فيه، التي هي مقدّمة للوضع التعيّني، فلا دافع له.
و ثانياً: إنه لو تنزّلنا عمّا ذكر، و سلّمنا انسباق المعنى من حاقّ اللّفظ بلا دخل لكثرة الاستعمال، لكن السؤال هو: إن انسباقه من حاقّ اللّفظ أمر حادث لا بدّ له من علّة، و لا علّة لهذا الانسباق إلّا العلم بالوضع، فالجاهل بالوضع لا يحصل له انسباق، لكنّ العلم بالوضع يحتمل أن يكون ناشئاً من التبادر الذي قد عرفت الكلام فيه، فكيف يحصل القطع بالوضع و المعنى الحقيقي؟
فالبرهان المذكور على قطعيّة هذه العلامة كما ذكره المحقّق الأصفهاني مردود بهذين الوجهين.
و الذي يمكن الموافقة عليه و إقامة البرهان له هو: إن التبادر عند أهل اللّسان حجّة للجاهل و حجّة عليه، لأنه مورد السيرة العقلائية القطعيّة مع عدم