تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٠٣ - القول الثالث
إن المعاني على قسمين، منها: إخطاريّة، و منها: غير إخطاريّة، فما يكون صالحاً لأنْ يخطر في الذهن بنفسه فهو معنًى اسمي، و ما لا يصلح لذلك بل لا بدَّ من كونه ضمن كلامٍ مرتّب بترتيب معيّن فهو معنى حرفي.
و المعاني غير الإخطارية إيجاديّة، غير أنّ هذه المعاني الإيجاديّة تنقسم إلى قسمين، فمن الحروف ما يوجد مصداق لمعناه في الخارج، كحروف النداء و التشبيه و نحوها، فإنّه لمّا يستعمل حرف النداء و يقال: يا زيد، يوجد مصداقٌ للنداء خارجاً، و كذا في: زيد كالأسد، و من الحروف ما لا يوجد مصداق لمعناه في الخارج مثل «من» و «على» و «إلى»، فهي حروف نسبيّة، أي أن معناها ليس إلّا إيجاد النسبة و الربط بين المعاني المتباينة التي لا ربط بينها، كما في: سرت من البصرة إلى الكوفة.
فالحروف كلّها إيجاديّة، غير أنْ بعضها لمعناه مصداق في الخارج و بعضها لا، بل هي لإيجاد الربط و النسبة فقط، فما في كلام صاحب (الحاشية) من تقسيم الحروف إلى إيجادية و غير إيجادية غير صحيح.
و بالجملة، فلا شيء من الحروف بإخطاري.
ثم قال: إن النسبة بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي هي النسبة بين المفهوم و المصداق، فالمعنى الاسمي له خاصيّة المفهوم، و المعنى الحرفي له خاصيّة المصداق، فالتفاوت بين «النداء» الذي هو معنى اسمي، و بين «يا زيد» الذي هو معنى حرفي، هو التفاوت بين «مفهوم الماء» و «مصداق الماء»، مع الالتفات إلى أنا بواسطة الحرف نوجد المعنى، و لا ظرف لمعناه إلّا ظرف الاستعمال، و هو موطن تحقّقه، بخلاف مثل صيغ العقود و الإيقاعات التي موطن تحقّق المنشأ فيها هو وعاء الاعتبار.