تحرير الأصول - الموسوي الجزائري، السيد محمد علي - الصفحة ٢٢٦ - استعمال اللّفظ في أكثر من معنى
متقوّما به، لإمكان إحضار اللّفظ في افق النفس بالتوجه الاستقلالي إليه في مقام الاستعمال دائما، و لا يزول هذا الإمكان مهما بلغ كثرة الاستعمال. فحقيقة الاستعمال متقوّمة بإقامة العلامة، لا أزيد، و حال الألفاظ في ذلك حال سائر العلائم و الدوالّ الجعليّة.
و لكن التحقيق أنّ الامتناع لا يتوقّف على الإفناء. بل له وجه آخر و هو أنّ الاستعمال فعل آنيّ يوجد و ينصرم، فلا يتحقّق به إلّا مسبّب واحد و هو الحكاية لأنّ الاستعمال عبارة عن إقامة العلامة بداعي الحكاية عن ذي العلامة، و حيث إنّ الاستعمال فعل دفعي آنيّ الحصول يوجد و ينصرم و هو بالوجدان فعل واحد، فلا محالة لا يتحقّق به إلّا حكاية واحدة، ثمّ إن كان المقصود من إرادة المعاني المتعدّدة إرادتها على سبيل الاستقلال و الانفراد بحيث كأنّه استعمل اللّفظ فيها متكرّرا، و اريد من كلّ لفظ حكاية على حدة، فهذا غير ممكن؛ لأنّ الحكاية الواحدة لا تتبدّل إلى الحكايات المتعدّدة، و إن كان المقصود جمع المعاني في عالم الخيال و الحكاية عنها بحكاية واحدة حسب اقتضاء الاستعمال الواحد، فهذا أمر ممكن و لا ثالث في البين.
و من هنا علم أنّه لا فرق فيما ذكرنا بين القول، بأنّ حقيقة الاستعمال إفناء اللّفظ في المعنى، أو كونه صرف جعل علامة عليه، إذ كما يمكن جعل اللّفظ علامة على المعاني العرضيّة المتعدّدة المجتمعة في صفحة الذهن، فيتوجّه إليها المستعمل و يلاحظها و يحكي عنها بحكاية واحدة، كذلك لا مانع من إفناء لفظ واحد في المعاني المتعدّدة الملحوظة عرضيّا في حال الاستعمال، فيلاحظها و يجعل اللّفظ مرآة لها و يفنيه فيها، و قابليّة فناء الواحد في المتعدّد بمرآتيّته لها موجودة في الآلات الحقيقيّة؛ كالمرآة و المنظار، فما ظنّك بالآلة الجعليّة، فإنّ أمرها بيد الجاعل. فبإمكان المستعمل أن يجعل لفظا واحدا