تحرير الأصول - الموسوي الجزائري، السيد محمد علي - الصفحة ٤٨ - الأمر الأوّل في حقيقة الوضع
سلّمنا بطلان الترجيح بلا مرجّح، لكنّا نقول بكفاية أدنى مرجّح للخروج عن التساوي من دون حاجة إلى فرض المناسبة الذاتية، كما نرى تسمية الولد باسم أحد الائمّة الطاهرين لقرب ميلاده، أو بمعونة التفؤل بالقرآن الكريم، أو السؤال من أوّل من يدخل عليه، أو التسمية باسم أحد أقربائه لإحياء ذكره ... و هكذا.
و ثانيا: يستحيل ذلك، لمكان دلالة بعض الألفاظ على الأضداد كالقرء، فإنّها حقيقة في الطهر و الحيض و الجون للبياض و السواد، و قد ألّف في ذلك ابن السكّيت كتابا سمّاه بالأضداد، فكيف يمكن القول بالتناسب الذاتي بين الألفاظ و معانيها بنحو تقتضي الدلالة عليها إمّا بنحو العلّية التامّة أو بنحو الاقتضاء، لأنّ اقتضاء شيء للمتضادّين أيضا غير معقول، كفرض اقتضاء النار للحرارة و البرودة.
و قيل بالجعل و الاعتبار، و هو المشهور و المذهب المنصور.
و منهم من قال بهما، أي بالجعل و الاعتبار مع وجود المناسبة الذاتية، و هو المحقّق النائيني (قدّس سرّه). و حاصل مختاره حسب تقرير تلميذه المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) [١] أوّلا أنّ الواضع هو اللّه تعالى. و ثانيا مع وجود مناسبة ذاتيّة بين اللّفظ و المعنى مجهولة لنا معلومة له تعالى. و ثالثا أنّه تعالى التزم بوضع اللّفظ للمعنى طبقا لتلك المناسبة الذاتية. و رابعا أنّ الوضع أمر متوسط بين التكويني و التشريعي، فليس تكوينيا محضا حتّى يكون الإنسان مجبولا على إدراكه بنفسه، كالعطش عند احتياج البدن إلى الماء، و الجوع عند احتياجه إلى الغذاء، و لا تشريعيا محضا كي يحتاج إفهامه إلى إرسال الرّسل و إنزال الكتب، بل يلهم اللّه عباده على اختلاف لغاتهم بلفظ مخصوص عند إرادة تفهيم معنى مخصوص.
[١] أجود التقريرات: ١١ و ١٢.