التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢ - كيف ننمي موهبة العقل؟
مَنْ كان قوله لفعله مصدّقاً، وسره لعلانيته موافقاً، لأنّ الله لا يبدِّل على الباطن الخفي من العقل إلّا بظاهرٍ منه وناطقٍ عنه).
هكذا يؤكِّد الإمام الحقيقة التي سبق أن بيَّنها من أنّ الهدف الأساسّي للدين: أنْ يعقل الإنسانُ عزّة الله، فيكون أثر الوحي في قلبه، وأثر الطاعات، تكامُل عقله ومعرفته وتزكية نفسه، وسكينة الإيمان فيها، وتوافق ظاهره مع واقعه وباطنه.
ولتوضيح هذا الأمر أكثر فأكثر يحكي لنا حديثاً عن جدّه الإمام عليعليه السلاميبين فيه طريقة تكامل العقل:
(ياهشام! كان أمير المؤمنينعليه السلاميقول: ما من شيء عُبد الله به أفضل من العقل وما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، نصيبه من الدنيا: القوت، ولا يشبع من العلم دهره، الذلّ أحبُّ إليه مع الله من العزّ مع غيره، والتواضع أحبُّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقلّ كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيراً منه وأنه شرّهم في نفسه، وهو تمام الأمر).
هكذا لو أخضع الإنسان نفسه الأمّارة بالسوء، حتى أتّصف بتلك الصفات الحميدة واستطاع أن يقتلع جذر الفساد من نفسهالذي يتمثّل في الكبر- فإذا به يرى أنّ الآخرين هم أفضل منه، وهناك يكتمل عقله، وهو تمام الأمر ..
ويسوق الإمام الكاظم طائفة من الخصال الحميدة قبل أن يبينّ العلاقة بين العقل والمروءة، وبين المروءة والدين فيقول:
(ياهشام! مَنْ صدق لسانه زكى عمله ومَنْ حسنت نّيته زيد في رزقه، ومَنْ حَسُنَ بُّره بإخوانه وأهله مُدَّ في عمره.
ياهشام! لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
ياهشام! كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا.
ياهشام! لا دين لمَنْ لا مروءة له، ولا مروءة لمَنْ لا عقل له).
ويتبادر سؤال: ما هي المروءة، وما هي العلاقة بينها وبين العقل، والدين؟