التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٥ - ٣ - مناهج القياس
(بمنهج القياس) قد بلغوا درجة زعموا انّ بإمكانهم إصدار أعظم وأغرب الأحكام فيما يتّصل بالحقائق الكلية دون أنْ يشكّوا في صحتها بسبب معارضتها للتجارب الحسية [١]. ويرى أنّ السبب الرئيسي للأخطاء التي تورّطت فيها الفلسفة اليونانية أنّهم تكلَّفوا علماً لم يُؤت الإنسان يومئذٍ- أدوات معرفته [٢].
وقد تنبّه المسلمون، مبكراً إلى هذه الثغرة الواسعة في المنهج اليوناني المنطقي والفلسفي ولذلك لم تتأثّر ثقافتهم به إلّا عند شريحةٍ معينةٍ منهم.
فمعارف التفسير والحديث والرجال والعقائد ظلّت قائمة على أساس منهجهم القرآني المتميّز بالدلائل الفطرية والوجدانية، وإنْ لم تتبلور هذه المناهج بصورة كافية .. بلى، استحدث علم الكلام، واستفاد من المنهج الفلسفي للرّد على شبهات المتفلسفين من المسلين، واستفاد البعض من القياس الذي اعتمد على فهم ملاكات الأحكام، بينما اعتبر الآخرون منهج القياس غير مناسب لفهم احكام الدين، وملاكاتها.
واعتراضات العلماء المسلمين على المنطق الارسطي هي ذاتها التي أصبحت اليوم واضحة حتى لطلاب الثانوية. ولو لا التوقّف الحضاري الذي طرأ على المسلمين بعد الحروب الصليبية الطوفان التتري لكانت المناهج القرآنية قد فتحت آفاق المعارف أمام البشرية.
ولكن المعروف أنّ قبساً من نور القرآن شعّ على العقل الغربي فأناره، وأنار له العالم، وتقدم في حقول العلوم.
إنكّ تجد رحلة الغزالي من الشك إلى اليقين قد سبقت رحلة ديكارت بقرون، ولكنهّا لم تثمر تلك النتائج التي كانت لرحلة ديكارت.
وإنّ مناقشات علماء المسلمين لعقم المنهج الكلاسيكي سبقت مناقشات بيكون، ولكنها ذهبت أدراج حالة التخلّف التي أصابتهم.
فمثلًا تجد ابن حزم يرى أنّ أقوال المتكلمين معتزلةً كانوا أم أشاعرة أم سواهم في
[١] - براترند رسال علم ماية عالم خارج/ ترجمة منوجهربزركمر/ فارسي/ ص ١٩.
[٢] - المصدر.