التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - ٢ - التطابق بين العقل واحكام الشرع
٢- التطابق بين العقل واحكام الشرع:
تعالوا قبل أن نخوض في الأدلة القياسية التي ساقها البعض على مدى التطابق بين العقل والشرع، وأنّه ما حكم العقل بشيء كشف عن حكم الشرع أيضاً، تعالوا قبل ذلك نبحث في أحكام العقل والشرع ما هي؟ أليس العقل يهدينا إلى أنّ في خلق السموات والأرض آياتٍ تدلنا على خالقٍ عزيز حكيم، وأنّ من حكمته البالغة هدايته للإنسان عبر الرسل، وأنّ الإنسان رهين ما اكتسب، إنْ خيراً فخير وغن شرّاً فشرّ، وأنّ الصدق والوفاء والإحسان والعدل والنشاط والتعاون، والإيثار هي الخصال الحميدة، وأنّ أضدادها هي الصفات السيئة، وأنّ الكبر والحسد والحقد والنفاق وسوء الأخلاق هي الرذائل الذميم وأضدادها المثل العليا؟.
وإذا كانت هذه هي أحكام العقول، ووصية الحكماء من الناس، فما هي أحكام الشريعة! أَوَلَيست مثل ذلك، أيُّ حكمٍ في كتاب الله لا يصدقه العقل، ولا يتواصى به العرف؟ بلى، قد يكون الإنسان غافلًا أو ناسياً فإذا ذكّره الوحي تذكّر واستبصر، ووجد أنّ النور الذي يشعّ من مشكاة الوحي هو ذاته النور الذي يضيء في فؤاده.
وإنّ هذا التطابق هو أكبر شهادةٍ على صمدنق الرسول، وأعظم حجة لله على الناس، والى هذه الحجة تعود سائر الأدلة التي اعتمدها الحكماء والمتكلمون في صدق الرسالات. وهذا التطابق هو الذي جعل الرسول والعقل حجةً واحدة، فذاك عقل ظاهر، وهذا رسول باطن ..