التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٥ - ١ - معرفة العلوم القرآنية
وإن لغة القرآن تعرف بذاتها .. (بعد الإحاطة علما باللغة العربية) فبعضها يفسر بعضا. وسياق آياتها يفسر محتوياتها. وجرس كلماتها يقرع القلب بإشاراتها وإمثلتها وقصصها وبصائرها.
وعند تدبره للقرآن يستثير كوامن عقله، وحفز دافائن وجدانه، حتى تجلو بصيرته بآياته ويستخرج به معادن قلبه. وقد قال ربنا سبحانه:
(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [١].
وعلم القرآن يستدعي علم ناسخة ومنسوخة، عامة وخاصة، محكمة ومتشابهة، وذلك يتم بدراسته والتدبر فيه، كما يتم بمراجعة السنة المباركة التي هي تفسيره .. من كلمات الرسول وأهل بيته ..
وإن القرآن لا يختلف عن السنة، فهو الينبوع الصافي لها وهي الرافد المنبعث منه. والذين يضربون السنة بالقرآن يحجبون عنهما جميعا.
فلا بد أن نقرأ السنة كما لو أنها تفسير للقرآن، ونقرأ القرآن بما لها من إشعاع يتجلى في تفسيرات السنة الشريفة بعضها من بعض، [٢] لا يختلفان حتى يردا على الرسول الحوض كما قال صلى الله عليه وآله- (اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).
وقد سبق في فصل القرآن بعض الحديث في هذا الأمر.
والسنة كلها تفسير للقرآن .. حتى ولو لم يذكر في الخبر من أين اقتبس محتواه من الكتاب، ولكن النبي وأهل بيته عليهم صلوات الله- بينوا أن علمهم من القرآن كما سيأتي. ولعيه فإن علينا مراجعة الروايات التي تحدثنا عن الفروع بصفتها تفسيرا لآيات الذكر. ونسعى جهدنا لوصلها بتلك الآيات التي استلهمت منها. ولعل هذا هو مراد الأئمة عليهم السلام حينما أمرونا بعرض كلماتهم على كتاب الله: فما وافقه أخذ به وما
[١] - محمد/ ٢٤.
[٢] - في هذا المعنى يقول الشاطبي: (محال ان تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها. فمن أخذ بنص مثلا في جزئي معرضا عن كلية فقد اخطأ وما ان من أخذ بالجزئي معرضا عن كلية فهو مخطئ (الموافقات/ ج ٣ ص ٨) وتجد في الجزء حديثا مفصلا حول ضرورة الجمع بين القواعد العامة وادلة الفرع الجزئية. فليراجع.