التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨١ - باء/ فقد الثقة بالذات
باء/ فقد الثقة بالذات
فقد الثقة جذرا آخر من جذور الخطأ، ذلك ان الوعي شرط أساس في المعرفة، ونعني بالوعي (وجدان الذات)، والذي يتسبب من المعرفة بكامل القوى النفسية ثم الثقة، بها وأخيراً ضبطها في اتجاه محدد، ذلك ان الإنسان الفاقد للثقة بنفسه لا يتمكن من التفكير، أو ربما لا يفكر، وان كان قادرا عليه، ثم لا يجزم بنتيجة تفكيره، إذ سيقول أبدا: انا اقل قدرا من معرفة الحقيقة، وهكذا يخطيء فكره وان كان صوابا، لأنه لا يعترف بإمكانية توصل هذا الفكر إلى الحقيقة.
وبتعبير آخر: ان الإنسان يسلك إلى المعرفة إمام طريق الحسّ أو التعقل أو الإلهام. والذي يفقد الثقة بنفسه يفقد الثقة بالحس، وبالتعقل وبالإلهام وأخيرا لا يعترف بتلك المعرفة التي تأتيه من هذه الطرق، ولذلك فهو لا يصل إلى الحقيقة، وليس فقد الثقة بالذات (أو بوجدان الذات) يعني بالضرورة إنكار كل مصادر المعرفة، فربما بكفر الإنسان بذاته عن طريق انكاره لواحدة من قواه وطاقاته، كالذي ينكر قدرة الإنسان على التعقل، وربما يكفر بنفسه في جهة معرفة خاصة، أو في مقابل شخص واحد، قد عرف خلال ما يعرفه، وهكذا يبدو (وعي الذات) والثقة بما به من مقدرة، على تحصيل المعرفة، شرطا اساسيا للعلم، وبفقدها تقع أخطاء فكرية كبيرة.
كما ان من يفقد القدرة على ضبط مصادر المعرفة، وتوجيهها حسب إراداته، يفقد تلك المعرفة الآية منها أيضا. من هنا كان وعي الذات الذي يستتبع الثقة بمقاييسها، والقدرة على استخدام تلك المقاييس، أول وأهم مقدمات المعرفة.