التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة

التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة - الكراجكي، أبو الفتح - الصفحة ٩٢

طاعة أو معصية مضاعفا لصحبتهنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قربهنّ منه، و مشاهدتهنّ آياته، و لأنّهنّ قد حصلن قدوة لسواهنّ، و سلفا لمن بعدهنّ، و لسن فيما يفعلن كغيرهنّ.

و من عجيب أمر المعتزلة: أنّهم يظهرون التمسّك بالدليل، و يتحمّلون بالاعتماد على ما توجبه العقول، و يعترفون بأنّ الواجب على كلّ عاقل أن لا يعدل عن المعلوم إلى المجهول، و لا يترك اليقين و يأخذ بالظنون، و لا يهجر المشتهر المجمع عليه انصرافا إلى الشاذّ من القول، و أنّ من فعل ذلك فهو على خطأ كبير و زلل عظيم.

ثمّ إنّهم مع هذا يخالفون أقوالهم، و يناقضون أنفسهم، فيقولون في عائشة و طلحة و زبير الذين قد انقطع العذر بفسقهم عن الدين، و صحّ لكلّ عاقل ضلالهم بالبرهان المبين، و تحصيل عداوتهم فريضة على جميع المؤمنين، أنّهم تابوا ممّا اقترفوه، و أقلعوا عمّا اجترحوه، و لم يخرجوا من الدنيا إلّا و هم من الخلصاء المؤمنين، و الأتقياء الطاهرين، و أنّ الزبير الذي لم يشكّ في حربه، و طلحة الذي هلك في قتاله و حربه، لم يقتلا إلّا و هما صفيّان لأمير المؤمنين عليه السّلام، و وليّان له و مخلصان، و أنّهما معه في القيامة عند اللّه في جملة من قال اللّه: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‌ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‌[١].

و يعتمدون في ذلك على أخبار آحاد، و حكايات شواذّ، لم يجتمع عليها مع إمكان تأويلها، و أحسن أحوالها أن توجب الظنّ لسامعها من غير علم و يقين يحصل بها، و ينتقلون بها من اليقين إلى الظنون، و ينصرفون من المعلوم إلى‌


[١] سورة الحجر: ٤٧.