تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٥٨
سألني ابن عبّاس عن عيسى بن مريم وعن ميلاده ، وعن لقيه إبليس بعقبة بيت المقدس ، وعن نعت الإسلام ، وعن صفة محمّد ٦ في الإنجيل. فقلت : نعم ، إنّ إبليس عدوّ الله ، اتّخذ مجلسا على اللجة [١] الخضراء ثم بثّ شياطينه في ولد آدم فقال : انطلقوا فأتوني بأحداث الدنيا ، فأتوه بجماعتهم لستّ ساعات مضين من النهار ، فقال : أخبروني عما كنت وجّهتكم؟ فقالوا : سيدنا ، كانت الأصنام بغيتنا ، ورجاء لضلالة ابن آدم ، فلم يبق صنم إلّا أصبح منكوسا ، قد انحدرت حدقتاه على وجنتيه ، فساء ظنّنا وأسقط في أيدينا ، فأتوه لستّ ساعات مضين من النهار ، فقال لهم إبليس : على رسلكم ، أعلم علم ما أتيتموني ، وكان ذلك ليلة ولد عيسى بن مريم في ثلاث عشرة ليلة مضت من ذي القعدة ، فخرّت الأصنام كلها سحبا وتنكّس كلّ صنم كان يعبد من دون الله تعالى ما بين المشرق والمغرب ، فانطلق إبليس فطار فغاب عنهم مقدار ثلاث ساعات من النهار ، فانصرف إليهم عوده على يديه فقال : إنّي لم أدع مشارق الأرض ومغاربها ، ولا برّها ولا بحرها ، ولا سهلها ولا جبلها إلّا أتيته فوجدت ذلك المولود ولد لغير بشر ، فأتيته من بين يديه لأضع يدي عليه ، فإذا الملائكة دونه كأنهم بنيان مرصوص ، من تخوم الثرى إلى أعناق السماء ، فأتيته من فوقه فإذا الملائكة مناكبها ثابتة في السماء ، وأرجلها تحت الأرض السفلى ، فلم أصل إلى [٢] ما أردت به ولأضلّنّ به أكثر ممن [٣] تبعه.
فلما بلغ عيسى ثلاثين سنة وبعثه الله رسولا إلى بني إسرائيل مصدّقا لما بين يديه من التوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد ، واتّخذ الآيات والعجائب ، من إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وإبراء الأكمه والأبرص ، لقيه إبليس خاليا عند عقبة بيت المقدس ، فقال الخبيث في نفسه : لأنتهزنّ اليوم فرصتي من عيسى ، فقال له إبليس : أنت عيسى بن مريم؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي تكوّنت من غير أب؟ إنّك لعظيم الخطر ، قال : العظمة للذي [٤] كوّنني ، قال : أنت عيسى بن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تبرئ الأكمه والأبرص ، وتشفي المريض؟ قال : بل العزّة للذي بإذنه أشفيهم ، وإذا شاء أمرضني ، قال : أنت عيسى بن مريم؟ إنّك [٥] تحيي الموتى إنّك لعظيم الخطر ، قال : بل العظمة للذي بإذنه
[١] الأصل : الجنة ، والمثبت عن المختصر ، وتاريخ الطبري ١ / ٥٩.
[٢] كتبت «إلى» فوق الكلام بين السطرين في الأصل.
[٣] كذا بالأصل والمختصر.
[٤] الأصل : الذي.
[٥] كذا بالأصل : «إنك تحيي الموتى» وفي المختصر : «الذي يحيي الموتى» وهو أظهر.