تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٠٣
بعذاب (لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ)[١] فقال عيسى : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[٢] وخبّرهم بنزول العذاب عليهم ، فمسخ الله منهم ثلاثة وثلاثين رجلا خنازير ، وأصبحوا يأكلون العذرة في الحشوش [٣] ، ويتبعون الزبل في الطرق ، وكانوا يأتون أول الليل على فرشهم مع نسائهم آمنين في دورهم في أحسن صورة ، وأوسع رزق ، فأصبحوا خنازير وأصبح الناس ـ من بقي ـ خائفين من عقوبة الله ، وعيسى يبكي ويتضرع ، وأهلوهم يبكون معه عليهم ، وجاءت الخنازير تسعى إلى عيسى حين أبصرته ، فطفقوا وعيسى يدعوهم : يا فلان ، ويا فلان فيقول برأسه : نعم ، فيقول : ألم أنذركم عقوبة الله؟ فيقولون برءوسهم ـ أي نعم ، وأحذّركم وأخوفكم عذابه ، وكأنّي كنت أنظر إليكم في غير صوركم ، فذلك قوله تعالى : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ)[٤] وأنزل الله على نبيّه ٦ (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ)[٥] ، ثم إنّ عيسى سأل ربه أن يميتهم ، فأماتهم بعد ثلاثة أيام ، فما رأى أحد من الناس لهم جيفة في الأرض ، لأن العقوبة إذا نزلت من الله استأصلت ، فنعوذ بالله من غضبه.
قالوا : ومن اختلف منهم في أمر المائدة من هؤلاء المسمّين [٦] منهم ابن سمعان ، وجويبر ، ومقاتل بإسنادهم قالوا :
لما آمنوا [٧] هؤلاء بعيسى وسألوه المائدة وذلك بين إيلياء وأرض الروم وكان الله حين أنزل عليهم المائدة اشترط عليهم العذاب ، فقال لهم فيما أوحى الله إلى عيسى ـ إن كان قال له والله أعلم ـ فقال : يا عيسى قل لهم يأكلون ولا يتخذون خبئا [٨] ، قال : فأكلوا فصدر عنها سبعة آلاف شباعا ـ قال إسحاق : وقال بعض هؤلاء المسمين بإسناده : اثني عشر ألفا ـ فكانت تنزل المائدة عليهم أربعين صباحا ، فعمد قوم منهم فخبثوا منه ، فقال الحواريون : لا تفعلوا فإنكم إن فعلتم عذّبتم ، وكان قوم منهم مداهنين ، فقال : دعوهم وما الذي يتخوّفون عليهم ، إنكارا لما قالوا لهم ، فقال الذين جهلوا : ما سمعتم بساحر يخرج في آخر الزمان يزرع من
[١] سورة المائدة ، الآية : ١١٥.
[٢] سورة المائدة ، الآية : ١١٨.
[٣] الحشوش جمع حش ، وهي مواضع قضاء الحاجة (راجع اللسان : حشش).
[٤] سورة المائدة ، الآية : ٧٨.
[٥] سورة الرعد ، الآية : ٦.
[٦] الأصل : السمين ، تصحيف.
[٧] كذا بالأصل.
[٨] خبن الطعام : غيّبه وخبّأه للشدة (القاموس المحيط).