تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٧٤ - ٥٣٧٢ ـ عمرو بن عتبة بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سفيان القرشي الأموي العتبي
| وضع الدهر فيهم شفرتيه | فمضى سالما وأضحوا شعوبا |
شفرتان أدهشتا ـ والله ـ من كان قبلهم ، فأذهبت أبدانهم ، وأبقت آثارهم ، فيا موعوظا بمن كان قبله ، وموعوظا به من هو آت بعده ، اربح نفسك إذ خسرها غيرك ثم أنشد :
| إذا غاب رهط المرء غاب نصيره | وأطرق وسط القوم وهو جليد | |
| وأكثر غضّ الطّرف دون عدوّه | فأغضى وطرف العين منه حديد | |
| وإنّ امرأ يأتي له الحول لا يرى | من النّاس إلّا الأبعدين وحيد |
أخبرنا أبو العزّ أحمد بن عبيد الله ـ إذنا ـ ومناولة وقرأ عليّ إسناده ـ أنا محمّد بن الحسين أخبرنا المعافى بن زكريا القاضي [١] ، نا يزداد بن عبد الرّحمن ، نا أبو موسى يعني تينة نا العتبي عن أبيه عن أبي خالد عن أبيه قال :
وفد محمّد بن عطارد إلى الحجاج في نيّف وسبعين راكبا ، فاستزارهم عمرو بن عتبة فقال : يا أبا سفيان ما بال العرب تطيل كلامها ويقصّرونه معاشر قريش ، فقال عمرو : بالجندل يرمى الجندل ، إنّ كلامنا كلام يقلّ لفظه يكثر معناه ، ويكتفى بأولاه ويشتفى بأخراه ، ينحدر تحدّر الماء الزلال على الكبد الحرّى ، لقد نقص كما نقص غيره بعد أقوام ، والله أدركتهم كأنما جعلوا لتحسين ما فتحت [٢] الدنيا سهلت لهم ألفاظهم كما سهلت لهم أنفاسهم ، فصانوا أعراضهم وابتذلوا أموالهم حتى ما يجد المادح فيهم مزيدا ، ولا الغائب فيهم مطعنا ، فلو احتفلت الدنيا ما تزينت إلّا بهم ، ولو نطقت ما افتخرت إلّا بفعالهم ، ولقد كان [آل][٣] أبي سفيان مع قلّتهم كثيرا منه نصيبهم ، ولله درّ مولاهم حيث يقول :
| وضع الدهر فيهم شفرتيه | فمضى سالما وأضحوا شعوبا |
شفرتان والله وضعتا على من كان قبلهم وأفنت أبدانهم ، وأبقت أخبارهم ، وأبقت حسنا في الدنيا ثوابه ، وسيئا في الدنيا عقابه وفي الآخرة أسوأ.
قال القاضي : قول عمرو بن عتبة في هذا الخبر من أبلغ كلام وأحسنه ، وكان قوله : «وأفنت أبدانهم وأبقت أخبارهم» مأخوذة من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خبر كميل بن زياد وقد ذكر العلم وفضله على المال وشرفه : مات خزّان الأموال وهم أحياء ،
[١] رواه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ٣ / ٣٩٩.
[٢] كذا بالأصل ، وبدون إعجام في م ، وفي الجليس الصالح : قبحت.
[٣] زيادة عن الجليس الصالح الكافي.