تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٦٨ - ٥٣٥٨ ـ عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب أبو عبد الله ، ويقال أبو محمد القرشي السهمي
فقال محمّد : يا أبة أنت شيخ قريش ، وصاحب أمرها ، وإن تصرّم هذا الأمر وأنت فيه خامل خملت ، فالحق بجماعة أهل الشام ، واطلب بدم عثمان.
فقال عمرو [١] : أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني ، وأمّا أنت يا محمّد ، فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، فلمّا جن عليه الليل أرق في فراشه ذلك ، وجعل يتفكر فيما يريد أي الأمرين يأتي؟ ثم أنشأ يقول :
| تطاول ليلي للهموم الطوارق | وخوف الليل [٢] يجلو وجوه العوائق | |
| وإنّ ابن هند سائلي أن أزوره [٣] | وتلك التي فيها عظام البوائق | |
| أتاه جرير من عليّ بخطّة | أمرّت عليها العيش ذات مضائق [٤] | |
| فو الله ما أدري وما كنت هكذا | أكون ومهما أن أرى فهو سائق [٥] | |
| أخادعه والخدع فيه دنيّة | أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق | |
| أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة | لشيخ يخاف الموت في كلّ شارق | |
| وقد قال عبد الله قولا تعلّقت | به النّفس إن [لم][٦] يعتلقني عوائق | |
| وخالفه فيه أخوه محمّد | وإنّي لصلب الرأي عند الحقائق |
فلما أصبح عمرو دعا غلامه وردان فقال : ارحل يا وردان ، حط يا وردان مرتين أو ثلاثا ، فقال له وردان : خلطت يا أبا عبد الله ، أما إنّك إن شئت أنبأتك بما في نفسك ، قال : هات ، قال : اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : علي معه الآخرة ، وفي الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بلا آخرة ، وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت متحيّر بينهما ، فقال له عمرو : قاتلك [الله][٧] يا وردان ، والله ما أخطأت ، فما ترى؟ قال : أرى أن تقيم [٨] في منزلك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك ، فقال له عمرو : الآن حين شهرني الناس بمسيري أقيم؟ فارتحل إلى معاوية.
[١] بالأصل وم : عمر. تصحيف.
[٢] كذا الرواية بالأصل وم ، والبيت مكسور ، وفي وقعة صفين : وخول التي تجلو وجوه العواتق.
[٣] صدره في الأصل وم : «معاوي بن هند يسألني ازره» والمثبت عن وقعة صفين.
[٤] الأصل : «العس والمرادنق» وفي م : «العس فالمرء دائق» والتصويب عن وقعة صفين.
[٥] في م : «فهو سابق» وفي وقعة صفين : ومهما قادني فهو سابقي.
[٦] الزيادة لإقامة الوزن عن م.
[٧] زيادة عن المختصر.
[٨] الأصل وم : أقيم ، والمثبت عن الإمامة والسياسة.