تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٤٣ - ٨٧١ ـ أيوب بن يزيد بن قيس بن زرارة بن سلم بن حنتم بن مالك بن عمرو ابن عامر بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر ابن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار ، ويعرف بابن القرّيّة النّمري
قال : فأخبرني عن مصر ، قال : عروس نسوة ، كلّهن يزفها. قال : وما ذاك بها؟ قال : فيها الثياب وإليها ... الأموال.
قال : فأمر به بحبس عشرا ، ثم أخرجه يوم عيد ، فأقعده إلى جانب المنبر ، ثم صعد الحجاج فخطب الناس ونزل ، ثم دع به والناس مجتمعون على الموائد ، فكفوا عن الطعام ، وأقبلوا يستمعون ما يكون من محاورتهما. فقال له الحجاج : يا ابن القرّيّة. كيف رأيت خطبتي؟ قال : أصلح الله الأمير ، أنت أخطب العرب. قال : عزمت عليك إلا صدقتني. قا : تكثر الرد ، وتشير باليد ، وتقول أما بعد. قال له : ويلك! أوما تستعين أنت بيدك في كلامك؟ قال : لا أصل كلامي بيدي حتى يضيق عليّ لحدي يوم أقضي نحبي. قال : علمت أني قاتلك؟ قال : ليستبقني الأمير أكن له كما كنت عليه قبل وأنا في طاعته أشدّ مبالغة وفي مناصحته أشد نصرة ، قال له : هيهات ، هيهات ، كذبتك نفسك ، وساء ظنك ، وطال أملك ، وكان أملك مع سوء عملك الموت قبل ذلك ثم دعا بحربة فجمع بها يده ثم هزها ، فجزع أيوب من ذلك جزعا شديدا. فقال : أصلح الله الأمير ، دعني أتكلم بكلمات صعاب صلاب كركب وقوف قد قضين من حاجة وطرا ، وقد استقبلن سفرا ، يكن مثلا بعدي. قال : هاتهن إنهن لن ينجينك مني. قال : أصلح الله الأمير. إن لكل جواد عثرة ، ولكل شجاع سهوة ولكل صارم نبوة ، ولكل حليم زلة ، ولكل مذنب توبة قال : لا نقيلك عثرتك ، ولا تقبل توبتك ، ولا يغفر ذنبك. قال : أصغني سمعك. قال : قد أصغيتك سمعي. وأقبلت عليك وأنا ممض فيك أمري. قال : أصلح الله الأمير ، أنت مهج السالكين ، غليظ على الكافرين ، رءوف بالمؤمنين ، تام السلاح ، كامل الحلم ، راسخ العلم ، فكن كما قال الأخطل. قال : وما قال؟ قال : قال :
| شمس العداوة حتى يستفاد لهم | وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا |
قال : ليس هذا حين المزاح ، اليوم أروي من دمك السلاح. قال له : قد قال الله عزوجل : (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال : فأطرق طويلا ثم قال له : أخبرني بأصدق بيت قاله الشاعر فأنشأ يقول :
| وما حملت من ناقة فوق رحلها | أبرّ وأوفى ذمة من محمد | |
| ولا فقد الماضون مثل محمد | ولا مثله حتى القيامة يفقد |
قال : صدقت. فرجا أيوب أن يكون له عنده فرج. قال : أخبرني بأشكل بيت قاله الشاعر فأنشأ يقول :
| حبذا رجعها يديها إليها | في يدي درعها تحل الإزارا |
ثم قال : أخبرني بأسير بيت قاله الشاعر. قال :
| ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا | ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد |
قال : فأخبرني بأكرم بيت قاله الشاعر. قال :
| وكنا الأيمنين إذا التقينا | وكان الأيسرين بنوا أبينا | |
| فصالوا صولة فيمن يليهم | وصلنا صولة فيمن يلينا | |
| فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا | وأبنا بالملوك مصفّدينا |
فقال له : كذبت يا ابن اللّخناء ، بل كنتم ألأم وأوضع ، ثم رفع القناة فوضعها بين ثندوته ، ثم غمزها حتى طلع الدم ، ثم قال : هكذا يقتل اللئيم يا ابن اللّخناء ، ثم قال : ارفعوه فرفعوه ، فجعل يقول : ثكلتك أمك يا ابن القرّيّة لقد فات منك كلام كثير ، ومنطق بليغ ، لله درّك ودرايتك. قيل : قتل الحجاج ابن القرّيّة سنة أربع وثمانين.