تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٤٢ - ٨٧١ ـ أيوب بن يزيد بن قيس بن زرارة بن سلم بن حنتم بن مالك بن عمرو ابن عامر بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر ابن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار ، ويعرف بابن القرّيّة النّمري
قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني :
وجّه الحجاج بن يوسف أيوب بن القرّيّة إلى عبد الرحمن بن الأشعث عينا عليه بسجستان ، فلم يلبث أن غمز به ، فأدخل على عبد الرحمن. فقال له : مرحبا بالموصوف عندنا بتزين البلاغة. أأنت ابن القرّيّة؟ قال : نعم. أصلح الله الأمير ، فقال له عبد الرحمن : أخبرني عن أمر. قال : يسأل الأمير عما أحب. قال : أخبرني عن الحجاج ما أمره لديك؟ أعلى محجّة القصد أم في مجانبة الرشد؟ قال : أسألك الأمان قبل ... البيان ، قال : لك الأمان. قال : إن الحجاج على احتجاج في قصد المنهاج ... يمنح ... الظفر ، ويجتنب الكدر ، لا تفظعه الأمور ، وليس فيها بعثور ، في النّعماء شكور ، وفي الضراء صبور فأنهاك أن تقاوله ، وأعيذك بالله أن تطاوله ، وهو على تربة العدل لا تزل به النعل ، ولا يعرنك الجبن ولك الحق ، فإنكم خير داعية وأوثق ، قال له عبد الرحمن : كذبت يا عدو الله ، والله لأقتلنّك. قال : فأين الأمان؟ قال : وكيف الأمان لمن كذب وفجر؟ والله لأقتلنك ، أو لتظاهرني عليه. قال : أصلح الله الأمير. إنما أنا رسول. قال : هو ما أقول لك ، فلما رأى أنه غير منته عنه تابعه وأقام معه يصدر له كتبه إلى الحجاج ، فجمع له عبد الرحمن الناس فأصعده على المنبر ، فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن الأمر الذي يدعوكم الحجاج إليه لم ينزل من السماء ، ولم تقم به الخطباء ولم تسنه الأنبياء ، ولم تصدر به إلينا من قبله الكتب. ثم نزل ، فلم يلبث أن قتل عبد الرحمن وهزم الحجاج الناس ، فبعث في طلب الفارّ ، فأتي بابن القرّيّة أسيرا ، فلقيه عنبسة بن سعيد ، فقال له : أيوب! قال : أيوب ، فما وراءك؟ قال : ورائي أنك مقتول ، قال : كلا. إني قد أعددت للأمير كلمات صغارا صلابا كركب وقوف عند قضين من حاجة وطرا ، وقد استقبلن سفرا ، قال : هو ما أقول لك. فلما أدخل على الحجاج تجاهل عليه. فقال : من أنت؟ قال : أنا أيوب. قال : يا أيوب ألم تكن في خمول من الدّعة ، وعدم من المال ، وكدر من العيش ، وتضعضع من الهيئة ، ويأس من بلوغ ما بلغت ، فوليتك ولاية الوالد لم أكن لك والدا ، ووليتك ولاية الراجي عندك الخير ولم أرج عندك خيرا ، ووليتك ولاية الجاري باليد ولم يكن لك عندي يد ، وأجرتك بها ثم قمت عند عبد الرحمن فقلت : إن الأمر الذي يدعوكم إليه الحجاج لم ينزل من السماء ولم ولم ، والله لتعلمن يا ابن القرّيّة أن قتلك قد نزل من السماء. قال : أصلح الله الأمير. إني قد أتيت إنسانا في مسك شيطان يتهددني بتخونه ويقهرني بسلطانه ، فنطق اللسان بغير ما في القلب. والنصيحة لك ثابتة ، والمودة لك باقية. قال : صدقت يا عدو الله ، فلم كنت كاذبا وكان قلبك منافقا وأردت كتمان ما كان الله معلنه منك ، وإخفاء ما كان الله يعلمه من سريرتك؟ وكيف علمك بالأرض؟ قال : علمي بها كعلمي ببيتي ، قال : فأخبرني عن الهند قال : بحرها درّ ، وترابها مسك ، وحطبها عود ، وورقها عطر. قال : فأخبرني عن مكة. قال : تمرها دقل ، ولصها بطل ، إن كثر الجند بها جاعوا : وإن قلّوا بها ضاعوا. قال : فأخبرني عن عمان. قال : حرّها شديد ، وصيدها عتيد ، يشدون الجلوف وينزلون الطفوف ، كأنهم بهائم ليس لهم راع ، قال : فأخبرني عن اليمامة. قال : أهل جفاء وجلد وطيرة ونكد. قال : فأخبرني عن البصرة. قال : ماؤها مالح ، وشربها سانح ، مأوى كل تاجر ، وطريق كل عابر. قال : فأخبرني عن واسط. قال : جنّة بين حماة وكنة. قال : وما حماتها وما كنتها؟ قال : البصرة والكوفة ، ودجلة والفرات يحقران شأنها وينقصان الخير عنها. قال : فأخبرني عن الكوفة. قال : ارتفعت عن البحر ، وسفلت عن الشام ، فطاب ليلها ، وكثر خيرها. قال : فأخبرني عن المدينة. قال : رسخ العلم فيها ووضح ، وسناؤها قد طفح. قال : فأخبرني عن مكة. قال : رجالها علماء وفيهم جفاء. ونساؤها كساة كعراة. قال : فأخبرني عن اليمن. قال : أصل العرب. وأهل بيوتات الحسب.