الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٨ - دليل آخر على إمامته (
ألا ترى أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال: أ لستم تعرفون عبدي سالما، فاذا قالوا بلى، قال فاشهدوا إن عبدي حر. لم يفهم من كلامه الا عتق العبد الذي تقدم تقريرهم على معرفته، و لو أراد غيره لكان ملغوا. و إذا قال لهم:
أ لستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى قال لهم فاشهدوا أن ضيعتي وقف لم يحمل ذلك الا على الضيعة التي قررهم على معرفتها. هذا هو المعهود من الكلام الفصيح.
و ليس لأحد أن يقول: أ ليس لو قال مصرحا بعد تقريرهم على فرض طاعته «فمن يجب عليه طاعتي فيحب عليا» كان جائزا، فهلا جاز ذلك في غير المصرح، و ذلك أنه ليس كلما حسن في التصريح حسن في الاحتمال. ألا ترى أنه لو قال: أ لستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى، قال بعد ذلك فاشهدوا أن ضيعتي التي تحتها وقف. مصرحا بها كان ذلك جائزا مفيدا، أولا يجوز ذلك مثل ذلك إذا قال كلاما محتملا على ما مضى بيانه، و الفرق بين المصرح به و المكنى عنه واضح.
و الذي يدل على أن لفظة «أولى» تفيد الإمامة و فرض الطاعة استعمال أهل اللغة، لأنهم يقولون «السلطان أولى بتدبير رعيته من غيره» و «ولد الميت أولى بميراثه من غيره ممن ليس بولد» و «المولى أولى بعبده من غيره» يعني بفرض طاعته عليه، و لا خلاف بين المفسرين أن قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [١] المراد به و معناه أولى بتدبيرهم و فرض طاعتهم و لا يكون أحد أولى بتدبير الأمة الا من كان نبيا أو اماما، و إذا لم يكن نبيا وجب أن يكون اماما.
و أيضا فلا خاف أن النبي (عليه السلام) كان أولى بنا من حيث فرض الطاعة،
[١] سورة الأحزاب: ٤٦.