الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦١ - فصل (في الكلام في النبوة)
معجزة و لأنه لا يلزمنا معرفة كونه صالحا.
و لا يلزمنا جواز إظهار المعجز على يد الفساق المتهتكين و الكفار إذا كانوا صادقين، لان المعجز عند أكثر أصحابنا يدل على عصمة من ظهر على يده، و من لم يعتبر العصمة جوّز إظهارها على مؤمن يستحق الثواب بإيمانه و ان كان فاسقا بجوارحه بعد أن لا يكون سخيف المنزلة دني الرتبة، من حيث أن المعجز يقتضي علو المنزلة و عظم الرتبة، و ذلك لا يوجد في هؤلاء و ان كانوا مؤمنين.
و يجب أن يكون النبي معصوما من القبائح صغيرها و كبيرها قبل النبوة و بعدها على طريق العمد و النسيان و على كل حال. يدل على ذلك أن القبيح لا يخلو أن يكون كذبا فيما يؤديه عن اللّه أو غيره من أنواع القبائح، فإن كان الأول فلا يجوز عليه، لان المعجز يمنع من ذلك، لأنه ادعى النبوة على اللّه و صدقه بالعلم المعجز جرى ذلك مجرى أن يقول له صدقت، فلو لم يكن صادقا لكان قبيحا، لان تصديق الكذاب قبيح لا يجوز عليه تعالى.
و أما الكذب في غير ما يؤديه و جميع القبائح الأخر فانا ننزههم عنها لان تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم. و لا يجوز أن يبعث اللّه نبيا و يوجب علينا اتباعه و هو على صفة تنفر عنه، و لهذا جنب اللّه تعالى الأنبياء الفظاظة و الغلظة و الخلق المشينة و الأمراض المنفرة لما كانت هذه الأشياء منفرة في العادة.
و مرادنا بالتنفير هو أن يكون معه أقرب الى أن لا يقع منه القبول و يصرف عنه و ان جاز أن يقع على بعض الأحوال، كما أن ما يدعو الى الفعل قد لا يقع معه الفعل. ألا ترى أن التبشير الى وجه الضيف داع الى حضور طعامه و ربما لم يقع معه الحضور، و العبوس ينفر و ربما وقع منه الحضور و ان كان ذلك لا يقدح في كون أحدهما داعيا و الأخر صارفا، و لا يقع القبول من الواعظ الزاهد و يقع من الماجن السخيف و لا يخرج ذلك السخف من كونه صارفا و الزهد من كونه داعيا.