الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٨ - فصل (في الكلام في النبوة)
قلنا: لا نعلم قصد أحدنا ضرورة بالتصديق بفعل ما يطابق الدعوى من تصديق بكلام أو فعل ملتمس به على وجه مخصوص، و مع هذا يعلم أنه صدقه و لو لم يكن صدقه لكان قبيحا، فقد ساوي القديم في هذا الباب.
فان قيل: لم لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة للمصلحة دون التصديق فلا يمكنهم أن يعلموا أنه فعل للتصديق.
قلنا: لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة إلا للتصديق، كما لا يجوز أن يقول قولا يتضمن التصديق و لا يقصد التصديق بل يفعله للمصلحة.
و لا فرق بين القول و الفعل في ذلك، و لذلك لو قال الواحد منا لمن ادعى عليه أنه أرسله صدقت و لا يقصد تصديقه كان مقبحا و ان قصد الى وجه آخر. أ لا ترى أنه لو قال عقيب ذلك أردت بذلك تصديق اللّه لم يعذره العقلاء في ذلك بل يستقبحون منه ما فعله و يذمونه عليه.
و لا يجب في مدع النبوة أن يعين ما يلتمسه من المعجز و ان كان لو عين لكان أبلغ، بل يكفي أن يلتمس ما يدل على صدقه على الجملة، فإذا فعل اللّه تعالى عقيب ذلك ما يكون خارقا للعادة دل على صدقه كدلالة ما عينه، لان المعين انما دل على صدقه من حيث كان خارقا للعادة و مطابقا للدعوى و مختصا به و مفعولا عقيب الدعوى، و كل ذلك حاصل فيما ليس بمعين، فيجب أن يكون دالا على صدقه.
و لا يلزم في مدعي النبوة أن يطلب المعجز بلسانه، لان ادعاء النبوة يتضمن وجوب تصديقه بالمعجز على مجرى العادة، فإن ادعى لفظا جاز كما لو عين المعجز جاز و ان لم يكن ذلك واجبا على ما بيناه.
و إذا كان فائدة المعجز تصديق من ظهر على يده فيجب جواز ظهوره على يد بعض الأئمة و الصالحين إذا ادعوا الإمامة و الصلاح و كانوا صادقين، فإنه