الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٧ - فصل (في الكلام في النبوة)
و العادة قد تكون عامة، و قد تكون خاصة، و قد تكون في بعض البلاد دون بعض. فعلى هذا لا اعتبار بانتقاض من تلك العادة عادة له، و انما نعلم أنه من فعله إذا عرفنا تعذره علينا على كل حال مع ارتفاع الموانع المعقولة كالحياة و القدرة و خلق الجسم، أو يقع على وجه مخصوص لا يقدر عليه أحد من الخلق كنقل الجبال و فلق البحر.
و الكلام الخارق للعادة بفصاحته، انما نعلم اختصاصه بالمدعي بأن نعلمه مطابقا لدعواه، فان ادعى الدلالة على تصديقه طلوع الشمس من مغربها فطلعت فذلك غاية المطابقة، و يجري مجرى أن يصدقه بكلام يتضمن تصديقه فعلم أنه بكلامه، لأنه لا فرق في الشاهد. فمن ادعى على غيره أنه رسوله بين أن يقول ذلك الغير صدقت و بين أن يقول المدعي الدليل على صدقي أنه يفعل فعلا من الأفعال لم تجر عادته بذلك، ثم يفعل ذلك الغير ما اقترحه، فانا نعلم أنه صدقه.
و ليس لأحد أن يقول في التصديق بالقول مواضعة متقدمة و هو صريح في التصديق، و ليس في الفعل الذي التمسه مواضعة، فكيف يعلم أنه قصد التصديق و ذلك الكلام و ان كان فيه مواضعة متقدمة ففي الفعل ما يجري مجرى المواضعة و هو طلب شيء مخصوص، فهذا يجري مجرى مواضعة متقدمة في ذلك على التصديق.
لأنا قد بينا أنه لا يكون دالا لمساواته له في كونه خارقا للعادة.
و انما قلنا انه لا بد أن يختص بالمدعي، لأنا ان لم نراع ذلك لم يعلم اختصاصه به و لا تعلقه. و جوزنا مع هذه المطابقة أن لا يكون فرقا بين التصديق بالقول و بين فعل ما يلتمسه المدعي إذا لم تجربة عادة، و العقلاء لا يفرقون بينهما.
و متى قيل: ان أحدنا يعلم قصده ضرورة بفعله، فيعلم أنه صدقه إذا فعل عقيب الدعوى، و ليس كذلك القديم تعالى، لأنه لا يعلم قصده ضرورة.