الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٤ - فصل (في الكلام في الوعد و الوعيد و ما يتصل بهما)
بإيمان بلا خلاف و إظهار الكفر اختيار كفر بلا خلاف.
و في أصحابنا من أجاز أن يكفر المؤمن كفرا لا يوافي به. و هذا ليس بصحيح لان هذا يؤدي الى تجويز أن يكون من الكفار المرتدين من يستحق نهاية التعظيم و التبجيل بما كان أظهره من الايمان، و ذلك خلاف الإجماع. فإذا الصحيح أن المؤمن لا يكفر أصلا بل لا كفر يوافي به و لا بكفر لا يوافي به.
فأما الكافر فإنه يجوز أن يؤمن، لأن الإيمان يسقط عقاب الكفر إجماعا سواء قلنا انه دائم أو منقطع. و لا يحتاج أن يقسم بأن يقول: الكفر الذي يوافي به يستحق عليه العقاب الدائم المنقطع، لان مع حصول الإجماع على سقوط عقابه بالايمان و التوبة من الكفر لا يحتاج الى ذلك.
فاذا ثبت ذلك فقوله «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا» [١] معناه ان الذين أظهروا الايمان ثم كفروا. و جاز أن يسمى من أظهر الإيمان مؤمنا كما قال «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ» [٢] يعني من أظهر الإيمان منهن، و قوله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» [٣] يعني على الظاهر.
فعلى هذا من أظهر الكفر أو الفسق مختارا بلا تقية و لا أمر يحتمل التأويل قطعنا على كونه كافرا و فاسقا، و ليس كذلك من أظهر الايمان أو الطاعة، لأنه يجوز أن يكون في باطنه بخلافه.
و إذا ثبت ذلك فكل من كان مظهرا للكفر قطعنا على ثبوت عقابه و ان كان فاسقا مصرا قطعنا على ارتفاع التوبة عنه و جوزنا أن يكون اللّه تعالى أسقط عقابه تفضلا و ان لم نقطع به و نذمه عليه بشرط عدم العفو. و متى غاب عنا من
[١] سورة النساء: ١٣٧.
[٢] سورة الممتحنة: ١٠.
[٣] سورة النساء: ٩٢.