الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٩

و تحديد و توفيق و تنسيق. و بلغ الطب غايته، فلم يقف عند ما دوّنه أبقراط و جالينوس، بل شاء الرازى أن يغذيه بتجاربه الشخصية و درسه المستقل.

و خطا الفلك و الرياضة خطوات فسيحة، و يكفى أن يذكر البيرونى و مؤلفاته للتدليل عليها.

و يمكن أن يقال بوجه عام إذا كان المسلمون فى القرنين الثاني و الثالث للهجرة قد شغلوا بنقل العلوم الأجنبية و تفهمها، فإنهم كانوا فى القرن الرابع يدرسون بأنفسهم و لأنفسهم، و انتقلوا من الجمع و التحصيل إلى الإنتاج الشخصى.

و قد استوعبت ترجمتهم آثار الثقافات الأخرى الفلسفية و العلمية الهامة على اختلافها، من يونانية و فارسية و هندية. و إذا قصرنا حديثنا على الفلسفة أمكننا أن نلاحظ أن العرب، إلى جانب ما وصلهم من شذرات عن الفلاسفة السابقين لسقراط، ترجموا أهم المحاورات الأفلاطونية، و هى الجمهورية، و النواميس، و طيماوس، و السوفيسط، و بوليطيقى، و فادن، و دفاع سقراط [١].

و كانت العناية بأرسطو بالغة، فبحثوا عن مؤلفاته، و ترجموها فى عناية تامة، و توفر لهم منها عدد غير قليل، و خلط بها بعض مؤلفات موضوعة نسبت إليه خطأ [٢].

و لكى يفهموا المعلم الأول فهما حقا، كان لا بد لهم أن يستعينوا بشراحه من المشائين الأول كثاوفرسطس و الإسكندر الأفروديسى، و قد ترجم لهما أكثر من شرح، و خاصة للثانى الذي كان له أثر واضح فى بعض النظريات الفلسفية الإسلامية. و كان ابن سينا يعتد بآرائه اعتدادا كبيرا، و يسميه‌


[١] مدكور، المصادر الإغريقية للفلسفة الإسلامية، مجلة الرسالة، ١٩٣٥، العدد ٢٩٥، ص ٦٩٤- ٦٩٧. حرصت على أن أقدم أسماء هذه المحاورات كما كان ينطقها العرب.

[٢] المصدر نفسه.