الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٧
متواضعين يقول ابن سينا عن أبرزهم، و هو الناتلى:" و كان أى مسألة قالها أتصورها خيرا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، و أما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر [١]".
إنّ" كتاب الشفاء"، يملى علينا درسا آخر، و هو أنّ ابن سينا قرأ، و قرأ كثيرا، قرأ كل ثمار الثقافة العربية و الفارسية الهامة التي عرفت فى عصره، و ما أكثرها:
فجاء نسيج وحده و صنيع درسة و تأمله. و قد توفرت له أسباب القراءة فى العشرين سنة الأولى من حياته: كفله فيها أبوه و وقاه مؤنة الكسب و طلب العيش، فتفرغ للبحث و الدرس فى ذكاء نادر، و ذاكرة عجيبة، و ولوع بالقراءة و سرعة فيها مدهشة. فما كان ينام من الليل إلا أقله، و لا يشتغل فى النهار بغير العلم و القراءة [٢]. و ما كان يبدأ كتابا إلا أتمه، مستعينا بما عليه من شروح و تعليقات. و قد انتهى به تخصصه و خبرته إلى أنه لم يكن فى حاجة أن يقرأ الكتاب تباعا، بل كان يقصد إلى مواضعه الصعبة و مسائله المشكلة، فينظر ما قاله مصنفه فيها، و يتبين مرتبته فى العلم و درجته فى الفهم [٣].
و لم تكن الكتب عزيزة المنال حين ذاك، فقد كانت سوقها رائجة، و رغبة أهل خراسان و فارس فى اقتنائها عظيمة [٤]. و كان ابن سينا من بيت علم يعنى بالتحصيل و شراء الكتب و جمعها. على أنه لم يقنع بمكتبته الخاصة بل ضم إليها مكتبة أخرى من أعظم المكتبات فى ذلك التاريخ، و نعنى بها مكتبة نوح بن منصور سلطان بخارى و وريث مجد الدولة الساسانية، فقد أتيحت له
[١] المصدر نفسه، ج ٢، ص ٣؛ القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٤١٤.
[٢] المصدر نفسه، ص ٤١٥.
[٣] المصدر نفسه، ص ٤٢٢.
[٤] و من أمثلة ذلك ما يحكيه ابن النديم من أن خراسانيا اشترى شرحى الإسكندر الأفروديسى" للسماع الطبيعى" و" لكتاب البرهان" بثلاثة آلاف دينار (الفهرست، القاهرة، ١٣٤٨ ه، ص ٣٥٤).