الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٣
علما أو فنا، جزءا من الفلسفة أو مقدمة لها. و كان طبيعيا أن تنتقل خصومة المشائين و الرواقيين إلى العالم العربى، عن طريق شراح أرسطو و مؤرخى فلسفته، و قد شغل بها مناطقة العرب، و قدموا لها حلولا متحدة أو متشابهة.
و ابن سينا، و إن كان لا يجد تحتها طائلا، يعقد لها فصلا طويلا فى مدخله، و يعالجها فى بسط و إسهاب [١]. و قد لمس منشأ الخلاف الحقيقى بين المشائين و الرواقيين، فبدأ بتحديد المعنى المراد من الفلسفة، و فى ضوء هذا التحديد يمكن الحكم على المنطق هل هو جزء منها أو مقدمة لها؟ و لقد بذل جهدا عنيفا فى إثبات أن الدراسات الفلسفية لا يمكن إلا أن تكون نظرية و عملية، لأنها إما أن تنصب على الوجود الذهنى أو الوجود الخارجى؛ و أن النظرية لا يمكن إلا أن تكون طبيعة، و رياضة محضة، و علما إلهيا؛ و أن العملية لا يمكن إلا أن تكون سياسة، و تدبير منزل، و أخلاقا [٢]. و مع هذا ينتهى إلى القول بأنه يمكن أيضا أن يعتبر كل بحث نظرى فلسفة، سواء اتصل بأحد الوجودين السابقين أو بهما معا، أو أعان على فهمهما [٣].
و إذن فالمنطق صالح لأن يكون آلة للفلسفة أو جزءا منها. «فمن تكون الفلسفة عنده متناولة للبحث عن الأشياء، من حيث هى موجودة، منقسمة إلى الوجودين المذكورين، فلا يكون هذا العلم عنده جزءا من الفلسفة، و من حيث هو نافع فى ذلك فيكون عنده آلة فى الفلسفة. و من تكون الفلسفة عنده متناولة لكل بحث نظرى و من كل وجه، يكون أيضا هذا عنده جزءا من الفلسفة، و آلة لسائر أجزاء الفلسفة» [٤]. توفيق يخفف كثيرا من حدة الخصومة بين المشائين
[١] ابن سينا، المدخل، ص ١٢- ١٦.
[٢] المصدر السابق، ص ١٢- ١٤.
[٣] المصدر السابق، ص ١٥.
[٤] المصدر السابق، ص ١٥- ١٦.