الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٦
و جماع قواعد التصوّر نظرية القول الشارح أو التعريف، و من التعريف ما هو حد أو رسم، أو مثال، أو علامة، أو اسم. و جماع قواعد التصديق نظرية الحجة، و من الحجج ما هو قياس، أو استقراء، أو تمثيل، أو غير ذلك [١].
فموضوع المنطق إذن نظريتان أساسيتان، تعريف يوصلنا إلى تصوّرات صحيحة، و إدراك للمعانى على وجهها؛ و برهنة ترسم لنا وسائل التصديق و تميز بين الصواب و الخطأ. و ما عدا هاتين النظريتين من بحوث منطقية، إنما هو إعداد و تفريع لهما. و التقابل بينهما عند ابن سينا واضح إلى حد أن قاتييه مترجم منطق" النجاة" فى القرن السابع عشر اقترح أن يقسم هذا المنطق إلى بابين:
التعريف و القياس [٢]. و لا شك فى أن هذا التقابل هو الذي حمل الغزالى أيضا فى أحد كتبه على أن يحصر المنطق فى هذين البابين [٣].
و لقد عرض أرسطو فى منطقه للقياس و التعريف، و لكن الأول كان هدفه الرئيسى بل و الوحيد. و لم يذكر التعريف إلا عرضا، فتحدث عنه فى" التحليلات الثانية" ليميزه من البرهان، و فى" طوبيقا" ليتم به المناقشات الجدلية [٤].
أما مناطقة العرب، و ابن سينا خاصة، فقد عنوا بالتعريف عناية كبيرة، و أدركوا- على نحو يقربهم من المحدثين- ماله من أثر منهجى فى البحث العلمى، لذلك حرصوا على أن يجمعوا طوائف من التعريفات العلمية المقررة، إيمانا منهم بأنها مفاتيح العلوم و مبادئها [٥]. و فى العربية عدد غير قليل من كتب التعريفات
[١] ابن سينا، المدخل، ص ١٨.
[٢]
Vattier, La logique du Fils de Sina, Paris, ١٦٥٩, p. ١- ٢.
[٣] الغزالى، محك النظر، طبعة القاهرة، ص ٤- ٦.
[٤]
Franck, Esquisse, p. ١٢٠; Hamelin, Le Systeme d ' Aristote, p. ٩٦.
[٥] نذكر من بين هذا على سبيل المثال" رسالة فى الحدود و الرسوم" لإخوان الصفاء (رسائل ج ٢، ص ٣٥٩- ٣٧٠)؛ و" رسالة الحدود" لابن سينا (تسع رسائل، ص ٧٢- ١٠٢)؛ و تعريفات كثيرة للغزالى فى كتابيه" معيار العلم" (ص ١٨٢- ١٩٨) و" محك النظر" (ص ١٠٧- ١٣٣).