الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٢٦
بين مؤلفات الشباب أو الكهولة، و أنه لم يفرغ منه إلا فى العقد الخامس من عمره، فليس ثمة مراحل تفكير منفصلة أو متباينة. و إذا كان" كتاب الإشارات"، و هو آخر مؤلفاته، قد امتاز بقسمه الصوفى، فإن هذا القسم إنما يقوم على دعائم من نظريتى النبوّة و العقل القدسى اللتين عنى بهما" الشفاء" [١].
على أن تصوف ابن سينا أقدم من الكتابين معا.
و نحن لا ننكر أن تفكير العالم أو الفيلسوف فى نشاط مستمر، و لكن ليس بلازم أن تؤدى هذه الحركة دائما إلى انقلاب أو تطور يهدم ما تقرر من قبل.
و ابن سينا بوجه خاص من بين أولئك المفكرين الذين استقرت مبادئ فلسفتهم فى سن مبكرة، و لم يطرأ عليها فيما بعد تغيير يذكر. و لا أدل على هذا مما يحكيه فى ترجمته لنفسه، فيقول: «فلما بلغت ثمانى عشرة سنة من عمرى فرغت من هذه العلوم كلها، و كنت إذ ذاك للعلم أحفظ، و لكنه اليوم معى أنضج، و إلا فالعلم واحد لم يتجدد لى بعده شىء [٢]».
٨- شرحه و ترجمته:
لئن كان الزمن لم يفسح لابن سينا أن يشرح" الشفاء" كما وعد، فقد اضطلع بهذا باحثون آخرون [٣]. لا سيما و الاختصار و التلخيص و وضع المتون و الرسائل من جانب، أو التوضيح و التعليق و تأليف الشروح و الحواشى من جانب آخر، كانت المنهج السائد فى الدراسات الإسلامية منذ القرن الخامس الهجرى. و قد تولى شرح" الشفاء" كثيرون، نخص بالذكر منهم صدر الدين الشيرازى المتوفى فى منتصف القرن الحادى عشر للهجرة، و الذي
[١] ابن سينا، الشفاء، ج ١، ص ٢٥٨، ج ٢، ص ٢٧٧.
[٢] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٤١٦. عاد ابن سينا الى المعنى نفسه، أكده فى منطق المشرقيين، ص ٣.
[٣] ص (١٩).